منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    قراءة في كتاب هربرت ماركوز "الانسان ذو البعد الواحد

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    قراءة في كتاب هربرت ماركوز "الانسان ذو البعد الواحد

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:16 pm

    مرحبا هذا عرض اقدمه لكتاب هربرت ماركوزا الشهير"الانسان ذو الابعد الواحد"، ولا مانع من ابداء الراي والنقاش.

    مشروع ماركوز النظري:

    يتلخص مشروع ماركوز في الإجابة على السؤال التالي: لماذا لم تقم الثورة في البلدان الصناعية المتقدمة؟ وعلى وجه التحديد في البلدان التي افترضت النظرية النقدية الكبرى(الماركسية) أنها ستكون رائدة أقطار العالم اجمع إلى الاشتراكية، بل لماذا باتت شبه مستحيلة في عالم يمتلك منذ أكثر من قرن القوة الكلاسيكية للثورة، أي البروليتاريا الصناعية.
    لقد كان أول من حاول الإجابة على هذا السؤال هو لينين، الذي كشف عن تكون قشرة أرستقراطية على سطح الطبقة العاملة، قشرة اشترتها الرأسمالية الاحتكارية بفضل الأرباح الطائلة المجتناة من المستعمرات، واستخدمتها كي تعيق وعي البروليتاريا الطبقي، حيث اعتبر لينين هذه الظاهرة الانتهازية بأنها عارضة ومؤقتة في حياة الطبقة العاملة الأوربية ونضالها، وان تطور الطليعة الثورية كفيل بالحفاظ على نقاء الوعي البروليتاري الطبقي الثوري، لكن التاريخ اثبت أن ما وصفه لينين على انه مؤقت قد أصبح ثابتا ودائما، وان القشرة المشتراة أصبحت نواة البنية البروليتارية، وعليه فانه يمكن القول أن أحدا لم يسبق ماركوز في الإجابة على هذا السؤال بهذه الصورة الشاملة، كما يوضحه مشروعه النظري في كتابه الإنسان ذو البعد الواحد، حيث ينطلق ماركوز في تحليله للمجتمع من أسس ماركسية بنيوية، وفي نفس الوقت يخالفها في كثير من الأحيان، وذلك لعدم جدوى كثير من مفاهيمها ومقولاتها كأدوات لدراسة المجتمع الصناعي المعاصر، كون هذا المجتمع قد أفرغها من محتواها، نتيجة الدمج الساحق للمجتمع لكل البنى وتداخلها الكبير فيه.

    المجتمع الصناعي المتقدم:

    ينطلق ماركوز من الطاقة الهائلة التي يملكها المجتمع المعاصر، مجتمع التكنولوجيا والصناعة المتقدمة، وما تحقق له هذه الطاقة من سيطرة وهيمنة على الفرد تتجاوز كل أشكال السيطرة التي مارسها المجتمع على أفراده في الماضي، والتي كانت على مر العصور تتم بشكل لا عقلاني، الأمر الذي اتاح للإنسان القدرة على الاحتجاج والمطالبة بالتغيير، أما ألان فان السيطرة الاجتماعية في عصر التقدم التكنولوجي، تتلبس طابعا عقلانيا، حيث تكمن عقلانية هذا المجتمع في القدرة التي يمتلكها بفضل التطور التقني على استباق كل مطالبة بالتغيير الاجتماعي وعلى تحقيق هذا التغيير تلقائيا، بحيث يصبح المنهج النقدي هو ذاته لا عقلانيا حين يطالب بتغيير مجتمع يثبت القدرة الدائمة على تنمية الإنتاجية ويوفر لأعضائه حياة الرغد والرفاه.

    المجتمع ذي البعد الواحد: غير أن ماركوز يرجع ويقول أن هذا هو ظاهر الأمر في المجتمع الصناعي المتقدم، أما الواقع فهو أن هذا المجتمع لا عقلاني برمته، حيث أن تطور الإنتاجية لا يؤدي لتطور الحاجات والمواهب الإنسانية تطورا حرا، بل يقوم بقمعها كشرط لتطوره ونمو إنتاجيته، ذلك إن جهاز الإنتاج في هذا المجتمع" يميل إلى أن يكون كليا، أي يمارس تأثيره على كل مستويات الحياة المادية والفكرية، وتحديد الغايات والحاجات الفردية، إضافة إلى النشاطات والمواقف الاجتماعية، أي انه يسير باتجاه تحقيق التلاحم الاجتماعي الداخلي واستبعاد كل أشكال التناقض والتجاوز، وبذا يكون مجتمعا أحادي البعد، يحيل الفرد إلى ذات المجتمع نفسه ليكون هو الأخر أحادي البعد، بعد أن يجرد أي محاولة لمناوأته ومعارضته بل نفيه

    وهدمه من معناها، ما دام يلبي حاجات الناس ويرفع حياتهم باستمرار"(ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، 32)، ومن هذا يتضح على سبيل المثال أن ما قاله ماركس عن دور التناقض والصراع في عملية التغيير الاجتماعية يتعرض كمفهوم وكواقع للنفي من قبل هذا المجتمع في سبيل الحفاظ على نفسه.

    عقلانية اللاعقلانية:
    وانطلاقا مما سبق يقول ماركوز أن قوة المجتمع ذي البعد الواحد تكمن في طابعه العقلي لللاعقلانية، ويضرب مثلا بقوله" أن انقسام المجتمع إلى طبقات يستغل احدها الأخر، هو احد المظاهر الأساسية للاعقلانية، لكن هذا المجتمع يقوم بتمويه ذلك ليبدو احد مظاهر التلاحم الطبقي، كأن يقوم العامل ورب العمل بمشاهدة نفس برامج التلفاز، أو أن ترتدي السكرتيرة نفس ملابس ابنة صاحب العمل الأنيقة، وان يركب الزنجي الذي لا حقوق مدنية له سيارة الكاديلاك الفارهه"، وهذا لا يعني زوال الطبقات، بقدر ما يدل على مدى مساهمة الطبقات السائدة في تحديد الحاجات التي تضمن استمرار السيادة لها، ويبقى أن نشير إلى أن ماركوز اعتمد كثيرا على ما اسماه بعقلانية اللاعقلانية في تحليلية للمجتمع أحادي البعد بحيث يربط معظم الأجزاء به، باعتباره أداة مركزية للمجتمع في تبرير وفرض أيديولوجيته وبرنامجه من اجل تحقيق السيطرة والهيمنة.

    التكنولوجيا: هي علم تحويل الأشياء إلى أدوات مروضة لاستغلالها لأغراض اجتماعية وحضارية، أنها فن غزو الطبيعة والتغلب علي مقاومتها الخرساء، من هنا تلعب دورا تقدميا على حد قول ماركوز، أما في المجتمع الأحادي البعد فإنها كما يردف ماركوز قد أصبحت الشكل العالمي للإنتاج المادي، وهي القوة الكلية المحددة لحياة العصر وثقافته، في ظل مجتمع طبقي قمعي اضطهادي، فان منطقها وهو منطق سيطرة الإنسان على الطبيعة، يصبح المنطق المحدد للعلاقات الاجتماعية أيضا، فبدل أن تكون قوة تحررية أصبحت عقبة أما تحرر الإنسان بتحويلها البشر إلى أدوات مسيطر عليها، فتكون عقلانية اللاعقلانية في التكنولوجيا أنها لا تجعل تحرر الإنسان غايتها الأولى، لان الواقع التكنولوجي الراهن هو واقع استعباد الإنسان وتشيؤه وتحوله إلى أداة لا واقع تحرره.
    ويتابع ماركوز بقوله انه في مجتمع صناعي متقدم لا يمكن أن نعتبر أن جهاز الإنتاج والتوزيع التقني وقطاعه القائم على التأليل، مجرد حشد من الأدوات التي يمكن عزلها عن المقتضيات الاجتماعية والسياسية، بل هو جهاز يميل إلى الكلية، ومن هنا بات من غير الممكن أن نتحدث عن حيادية التكنولوجيا أو استخداماتها المكرسة لها نظرا لهيمنة القوى الغاشمة عليها كما اسماها ماركوز، فالمجتمع التكنولوجي نظام سيطرة يعمل على مستوى تصورات التقنيات وإنشاءاتها، وبذا يكون المجتمع الصناعي بوصفه عالما تكنولوجيا عالما سياسيا، فعن طريق التكنولوجيا تلتغم الثقافة والسياسة والاقتصاد في نظام كلي يفترس أو ينبذ كل الاختيارات والحلول البديلة، حيث لهذا النظام إنتاجه وطاقته المتعاظمتان اللتان تقودان المجتمع إلى الاستقرار وتحبسان التقدم التقني في مخطط السيطرة، وعليه فان ماركوز يعتبر أن التكنولوجيا سياسة قبل أن تكون أي شيء آخر، لان منطقها هو منطق السيطرة والهيمنة، ولأنها تخدم سياسة القوى الاجتماعية المسيطرة في الوقت الراهن.

    الإنسان ذو البعد الواحد:
    يقول ماركوز أن الانسان ذو البعد الواحد هو ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية، انه ذلك الذي يتوهم انه حر لأنه يختار بين تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها المجتمع لتلبية حاجاته، انه كالعبد الذي يوهب الحرية في اختيار سيده(فهل هو حر؟)، ولذا يقول ماركوز أن الحرية المنظمة من قبل مجموع اضطهادي هي أداة قوية للسيطرة، حيث يفرغ هذا الانسان من أي بعد نقدي ليعارض أو يطالب بالتغيير، ولا يبقى فيه إلا على البعد الايجابي، الذي يقبل المجتمع والواقع كما هو بل ويرضى به بسعادة، معتبرا أي موقف غير هذا موقفا غير منطقي ولا عقلاني، حيث يسخر المجتمع أحادي البعد كل ما يملك من طاقات هائلة (تكنولوجية، إعلامية، سياسية واقتصادية) لتحقيق الهيمنة على الإنسان بتقليص مجاله الداخلي وجعله أحادي البعد.

    •تلبية الحاجات المادية المصطنعة: يؤكد ماركوز على أن تلك الحاجات هي حاجات وهمية من صنع الدعاية والإعلان ووسائل الاتصال الجماهيري، حيث لا يهدف المجتمع من توفير تلك الحاجات المادية كونها شرطا لاستمراره ونمو إنتاجيته فقط، بل ولخلق إنسان ذو بعد واحد ومتكيف معه، من خلال استعباد السلع والتشيؤ، حيث يتعرف الناس على أنفسهم من خلال بضائعهم، إنها عملية تطابق واستبدال للحاجات الاجتماعية بجعلها حاجات فردية محضة.

    •تزييف الفكر والايدولوجيا: حيث لم يكتفي المجتمع بتزييف الحاجات المادية، بل وقام بتزييف الحاجات الفكرية، وذلك على قاعدة كون الفكر هو العدو اللدود للمجتمع المسيطر، فهو قوة العقل النقدية السالبة والمحركة باتجاه ما يجب أن يكون لا ما هو كائن، ويقصد بهذه القوة الايدولوجيا التي يقوم المجتمع ذي البعد الواحد بتحقيرها وازدرائها باسم عقلانية التكنولوجيا، مستبدلا إياها بالمدنية التقنية كايدولوجيا أي هي(صيرورة عملية الإنتاج) لتصبح هي ذاتها أيديولوجيا المجتمع، حيث يقول ماركوز " إن الجهاز الإنتاجي والسلع والخدمات التي ينتجها تفرض النظام الاجتماعي من حيث انه مجموع، فوسائل النقل والاتصال الجماهيري وتسهيلات المسكن والملبس والإنتاج المتعاظم لصناعة أوقات الفراغ والإعلام، هذا كله يترتب عليه مواقف وعادات مفروضة وردود أفعال فكرية وانفعالية، تربط المستهلك بالمنتج بصورة محببة، ومن ثم تربطهم بالمجموع، إن المنتجات تكيف الناس مذهبيا وتشرطهم، وتصنع وعيا زائفا عديم الإحساس بما فيه من زيف" (ماركوز، الإنسان ذو البعد الواحد، 48).

    •الرقابة الداخلية وتزييف الوعي الفردي: يقول ماركوز أن الإنسان يستطيع تمييز تسلسل الرقابات في المجتمع المسيطر غير الحر، في حين انه يعجز عن ذلك أمام المجتمع الأحادي البعد، كون هذا المجتمع عمل على تزييف الوعي الفردي باستبدال الرقابة الخارجية المفروضة بنوع من الرقابة الداخلية المستبطنة(والتي أثبتت أنها ناجحة وفعالة)، والاستبطان هنا يعني انتقال ألانا من طريقها الخارجي إلى الداخلي، إنها عملية توحد الفرد بالمجتمع بشكل آلي(كما هو موجود في المجتمعات البدائية)، حيث بات الفرد الذي يأبى الانصياع والامتثال للمجتمع القائم، يعتبر عاجزا بل ومريضا نفسيا بنظر نفسه بالدرجة الأولى قبل المجتمع.

    •الدولة والسياسة: يعتبر ماركوز إن عالم الحضارة الصناعية المتقدمة عالما استبداديا توتاليتاريا(كليا)، له القدرة على واد أي محاولة لمعارضته بل وعلى دمج القوى الاجتماعية ولاستنفار وتعبئة جميع طاقات الانسان(الجسدية والروحية، القوى الاجتماعية ) لحمايته والذود عنه، وهنا يأتي دور السياسة، حيث السلطة السياسية لها مطلق السلطة على الصيرورة الميكانيكية وعلى التنظيم التقني، ويقول ماركوز أن الأنظمة الأكثر ديكتاتورية في التاريخ فشلت في النهاية في إلغاء البعد النافي لها، في حين نجحت الأنظمة الديمقراطية المتقدمة صناعيا في إلغاء ذلك البعد، ويلاحظ هذا من خلال توجه تلك الأنظمة إلى نظام الحزبين، الذين يمثلان قطبي تعارض المجتمع، وهو تعارض وهمي لامتصاص المعارضة الحقيقية، حيث تنعدم القدرة على التمييز بين برامج الحزبين السياسية الداخلية والخارجية، وعلى سبيل المثال يمكن ملاحظة ذلك في نظام الحزبين في(بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية)، ويأتي ذلك لقطع الطريق على القوى الاجتماعية التي يمكن أن تكون عامل التغيير في المجتمع، ومن هنا عجزت الأحزاب الثورية بل وانزلقت نحو الانتهازية والإصلاحية والاندماج المتعاظم بالنظام القائم بدل أن تعمل على التغيير، ويضرب ماركوز مثالا على ذلك بوضع الحزبيين الشيوعيين في ايطاليا وفرنسا.
    هذا وتحوز الدولة(السلطة السياسية) على مكونيين أساسيين لأبطال أي مفعول للمعارضة، بكونها دولة رفاه، من اللاعقلانية المطالبة بتغييرها، مع أنها في الحقيقة دولة تبذير تعمل دوما على خلق حاجات مصطنعة للناس ومن ثم تلبيها، أما المكون الثاني فهو أنها دولة حرب دائمة، تستنفر كل القوى لمواجهة الخطر الدائم والمهدد لها(كالحرب النووية أو الغزو الخارجي وخطر الشيوعية)، حيث تعمل دوما على التذكير بذلك الخطر لكبح ودمج القوى التي لم يستطع الجهاز قمعها ودمجها، وبذا يكون منطق السياسة منطق الهيمنة والسيطرة.
    •الآلة ومكننة العمل: تلعب الآلة دورا سياسيا بارزا في المجتمع التكنولوجي، حيث أن مكننة العمل وتأليله أفضت إلى إبطال مفعول الرفض والنفي الذي كانت تمثله الطبقة العاملة الكادحة، فصار مطلبها المساهمة في تسيير المشاريع لا تغيير النظام الذي يوفر لها الرفاه ورغد العيش، حيث يسهب ماركوز في الحديث والتحليل ليبن أن مفاهيم الماركسية الكلاسيكية قد أفرغت من مضمونها في ظل هذا المجتمع، وذلك لما للتأليل من آثار كبيرة على الطبقة العاملة، حيث يقول ماركوز أن مكننة العمل تقلل من شدة الطاقة الفيزيائية المطلوبة للعمل مما يقلل من عملية الاستلاب، وان تجانس المشاغل والوظائف افقد العامل استقلاله الذاتي فالكل يندمج بسائر المهن لما تفرضه المكننة من شروط للعمل، ومن هنا يصبح العمل غير قابل للقياس كما هو في السابق، ومع كل هذه التغيرات على مظهر العمل وأدوات الإنتاج يتبدل موقف العمال ووعيهم ويتراخى موقفهم الرافض للواقع الموجود، إذا ما تأكدنا من أن فائض القيمة لم يعد هو أساس عملية الربح والاستغلال، وان الطبقة العاملة لم تعد هي في ذاتها قوى إنتاج بل مشاركة ومسيرة فقط، ناهيك عن التنظيم التكنولوجي المتلبس لقناع الإدارة(البيروقراطية) بحيث لا يعرف العمال من هو هدفهم، فكأن المستغليين الحقيقيين لبسوا طاقية الإخفاء


    •الثقافة: وكما السياسة تلعب الثقافة دورا كبيرا في تصفية العناصر المعارضة وتزويد الفرد بضمير مرتاح وسعيد، وحيث أن الثقافة تعريفا ثنائية البعد ولا قوام لها إذا لم تميز بين الواقع وما كان يمكن أن يكونه هذا الواقع، يقوم المجتمع الأحادي البعد بواسطة وسائل الاتصال الجماهيري وطاقتها الهائلة على دمج قيم الواقع الثقافي بالواقع الاجتماعي وإعادة توزيعهما على نطاق واسع تجاري، بحيث تصير الثقافة مجرد بضاعة، تصبح فيه الموسيقى تجارية أو قابلة للتتجير وينسحب هذا على الأدب والفن اللذين كانا دوما بعدا متعاليا والرفض الأكبر للواقع، حيث امتصهما عالم الأعمال ليخرجهما ببعد واحد وبدون البعد الرافض لما هو موجود، بل إن الغريزة الجنسية فقدت هي الأخرى تساميها لتصبح مجرد نعرة بحاجة إلى تلبية على نحو سريع ومباشر مئة بالمئة، فمع انه يتاح مجال واسع في المجتمع التكنولوجي لتلبية الغريزة الجنسية إلا إن مبدأ اللذة يواجه تقلصا وانكماشا، ليصبح الجنس هو الأخر ذو بعد واحد حيواني، هذا وينسحب ما سبق على اللغة نفسها بجعلها لغة ذات بعد واحد تخلو من المفردات والأفكار والمفاهيم النقدية والمتعالية، حيث يجعل محترفي السياسة وصناع الرأي العام(صحافة وإذاعة وتلفاز) اللغة عارية من التوتر والتناقض والتطور والصيرورة، لتكون لغة عاملية وسلوكية بلا تاريخ أو أبعاد لغة مقفلة ومنغلقة، يساهم السوسيولوجيين الأمريكان مثلا بجعلها كذلك بتبنيهم للمنطق التجريبي، فحين يقولون أن فردا ما ديمقراطي يعنون انه ديمقراطي بالفعل، وليس انه يجب أن يكون ديمقراطيا، من هنا يدحض ماركوز الادعاء الأسطوري كما سماه بان البناء الفكري والفلسفي للمجتمع الأحادي البعد قائما على ما يسمى حياد التكنولوجيا، كونه وسم العصر بمنطق السيطرة والرقابة المستبطنة من الداخل.

    وعليه فان ماركوز يرى انه لا بد من انقلاب سياسي لتصبح التكنولوجيا محررة من القوى الغاشمة ولتتبنى مشروع الغاية الكبرى وهي تحرر الانسان، غير أن ماركوز يصل إلى نتيجة عدم وجود عامل التغيير(الطبقة العاملة) وينتهي إلى نتيجة أن الطريق مسدود ألان في وجه التغيير، وهنا يخرج ماركوز عن الأسس الماركسية الكلاسيكية، فيتهم بأنه تحريفي وذاتي بل وخارج المعسكر الإيديولوجي للطبقة العاملة، ناهيك عن تحدثه عن أن المجتمعات الصناعية المتقدمة هي المجتمعات ذات البعد الواحد، ولم يقل الدول الرأسمالية، ليشمل المنظومة الاشتراكية في تحليلة.

    ابو الطيب مع التحيات

    المصادر:

    هربرت ماركوز، الانسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 1988.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 5:51 pm