منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    مابعد الحداثة - حالة نيتشه -2-

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    مابعد الحداثة - حالة نيتشه -2-

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:20 pm

    مابعد الحداثة - حالة نيتشه -2-


    سنواصل اليوم رحلتنا مع نيتشه ، من خلال قراءة الفيلسوف الفرنسي لوك فيري، و من كتابه الشيق " تعلم كيف تعيش".

    ******

    إذا أردنا أن نفهم نيتشه قبل أن نحاكمه، ينبغي أن نتعمق في هذه الفكرة : إذا كان يبغض المثل باعتبارها كذلك، وإذا كان يريد تحطيم الأصنام بمطرقته الفلسفية، فذلك لكونها تنبع كلها ،في نظره، من منبع واحد هو نفي الحياة ، وما يطلق عليه "العدمية". وهنا ينبغي أن نأخذ فكرة عن هذا المفهوم المركزي في تقويض الطوباويات الأخلاقية والسياسية الحديثة.
    إن قناعة نيتشه ، هي أن كل المثل سواء كانت صريحة أو مضمرة، من اليمين أو اليسار، محافظة أو تقدمية ، روحانية أو مادية، لها نفس البنية اللاهوتية، ونفس الغاية، وهي أنها تعود كلها بالأساس إلى بنية دينية مادام الأمر يتعلق دوما باختراع عالم علوي أفضل من العالم الدنيوي، وبتصور قيم بدعوى أنها متفوقة وخارجة عن الحياة، أو لنقل قيما "متعالية" . إن مثل هذا الاختراع ، في نظرنيتشه ، تحركه دوما وبطريقة خفية " نوايا سيئة"؛ ولا يتمثل هدفه الحقيقي في مساعدة الإنسانية بقدر ما يتمثل في الوصول إلى محاكمة الحياة نفسها، وبالتالي إدانتها، وإنكار الواقع باسم حقيقة مزيفة، بدل تقبله كما هو.
    هذا النفي باسم المثال هو الذي يسميه نيتشه بالعدمية؛ وكما لو كنا بفضل هذه المثل المتخيلة المزعومة والإيطوبيا سنتموقع خارج الواقع والحياة ، والحال أن عمق التفكير النيتشوي هو ألا وجود للمتعالي ، وأن كل حكم هو عرض متأصل في الحياة الذي هو جزء منها، ولا يمكنه أبدا أن يتموقع خارجها.
    تلك هي الأطروحة المركزية لفلسفة نيتشه، والتي يمكن أن نلخصها كالتالي : لايوجد شيء خارج الحياة الواقعية، لا فوقها ولا تحتها، لا في السماء ولا في جهنم، وكل المثل السياسية والأخلاقية والدينية الذائعة الصيت، ليست سوى "أوثان"، وتشدقات ميتافزيقية، وتخيلات ، لا تستهدف شيئا آخر سوى الهروب من الحياة، قبل أن تنقلب ضدها. هذا ما يفعله المرء دوما حينما يحاكم الواقع باسم مثال، كما لوكان متعاليا ، خارجا عنه، والحال أن كل شيء فيه محايت.
    هكذا يمكن أن ندرك من الوهلة الأولى لماذا كان على فلسفة ما بعد الحداثة أن تتمسك بنقد فلسفة الحداثيين نقدا لا هوادة فيه، لأنها في نظرها موسومة بالإيطوبيات الدينية.
    يمكن أن نقول: إن الحداثيين أبدعوا الفكر النقدي والشك والعقل الواضح ... بيد أن كل تلك المقومات الأساسية لفلسفتهم تنقلب الآن ضدهم. إن المفكرين الأساسيين لمابعد الحداثة، نيتشه وكذلك ماركس وفرويد يتحددون باعتبارهم "فلاسفة الشك" : إن هدف الفلسفة من الآن فصاعدا هو تقويض الأوهام التي تمرحت فيها النزعة الإنسانية الكلاسيكية. إن "فلاسفة الشك" هم أولئك المفكرون الذين يتبنون كمبدأ للتحليل، هذا الإحساس بوجود دوما وراء المعتقدات التقليدية، و"القيم البالية" التي تدعي النبل والصفاء والتعالي، مصالحَ متخفية، واختيارات لاواعية ، وحقائق أكثر عمقا، غالبا ما لا يتم البوح بها. فكما أن المحلل النفساني الذي يطارد اللاوعي وراء أعراض المريض ليفهمه ، كذلك فيلسوف ما بعد الحداثة ، إنه يتعلم قبل كل شيء أن يحترس من البداهات الأولية، والأفكار الجاهزة، ليرى ما يوجد وراءها وتحتها وإن اقتضى الأمر ما بين ثناياها، ليمسك بالأجزاء المختفية التي تقوم على أساسها.
    هاهنا ما يجعل نيتشه لا يحب "الشوارع الكبرى" ولا "الإجماع"، ويفضل المسالك ليمر منها إلى الهوامش والموضوعات التي تثير الغضب. وعلى غرار كبار المؤسسين للفن المعاصر مثل بيكاسو في التشكيل ، أو شونبرغ في الموسيقى، فإن نيتشه هو أحد الطلائعيين الذين سعوا إلى تجديد كل شيء، والتشطيب على الماضي. إن ما سيطبع أجواء ما بعد الحداثة إلى أقصى حد ، هو هذا الجانب الجريئ الوقح، هو عدم احتمال العواطف الطيبة للقيم البورجوازية الواثقة من نفسها والمتمكنة بقوة : منذا الذي لا ينحني أمام الحقيقة العلمية، والعقل، والأخلاق الكانطية، والديموقراطية، والاشتراكية ، والجمهورية ...؟ هذا ما لا يتشبث به الطلائعيون وعلى رأسهم نيتشه ، و سيأخذون على عاتقهم تكسير كل شيء، ليكشفوا في وجه العالم ما يختبئ في الخلف ! إضافة إلى أن النزعة الإنسانية في نظرهم قد فقدت قوتها على التدمير والإبداع التي كانت تتوفر عليهما في الأصل، عندما حطمت بدورها أصنام الكوسمولوجية الإغريقية، أو الديانة المسيحية، قبل أن تتبرجز بدورها إن تجرأنا على القول. هذا ما يفسر رادكالية إن لم نقل عنف خطاب ما بعد الحداثة، خصوصا عند نيتشه. فخطابه أحيانا لا يُحْتَمَل ومع ذلك يكون من الروعة بمكان. كذلك، يمكن ألا نشاطره آراءه، بل ونكرهها، بيد أنه لا يمكن أن نفكر بعده بالكيفية التي كنا نفكر قبله.

    (يتبع)

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 7:06 am