منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه -3-

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه -3-

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:22 pm

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه -3-



    نواصل رحلتنا اليوم على متن سفينة شراعية تشق عباب الفلسفة النيتشوية، عسى أن ترسينا على برّ صلب.

    ******

    لعرض الدوافع الرئيسية لفلسفة نيتشه، سنتبع المحاور الثلاثة الكبرى، وهي "النظرية" Théoria و"البراكسيس" Praxis و"مذهب الخلاص" Doctrine du salut . بمعنى أننا سنبحث عن نظرية في معرفة الوجود، وعن قيم أخلاقية ، وعن نظرية في مصير الإنسان ومآله.
    هناك من المتخصصين في دراسة نيتشه – أوهم يدعون ذلك ـ ما فتئوا يؤكدون على أنه سيكون من العبث البحث عن شيء اسمه "نظرية" عند من كان المهاجم الشرس للعقلانية ، والناقد الذي لا يتوانى لكل "إرادة الحقيقة"، عند مفكر لم يكف عن السخرية ممن كان يسميه "الإنسان النظري" ، سواء كان فيلسوفا أو عالما ، تحركه "الرغبة في المعرفة" . كذلك سيبدو للنيتشويين الأورتودوكس الحديث عن "أخلاق" عند نيتشه وكأنه تدنيس لفكر من كان يطلق على نفسه "اللاأخلاقي". فكيف إذن القول بنظرية الخلاص عند مفكر "موت الاله"، عند فيلسوف اتصف بالجرأة على أن يقارن نفسه بالدجال أو ضد المسيح، وسخر من كل أنواع "الروحانيات"؟
    عليك ألا تنصت إلى كل ما يقال، وأن تحكم دوما بنفسك. عليك أن تقرأ مؤلفات نيتشه، والأفضل أن تبدأ بكتاب " غروب الأوثان" الذي يقول عنه في مؤلفه "هذا هو الإنسان" : "[أفول الأصنام] كتاب استثنائي بين الكتب بشكل تام: فلا يوجد كتاب آخر أكثر منه ثراء في مادته، وأكثر استقلالا، وأكثر هدما، وأكثر فظاعة. فإذا حدث لأي إنسان أن يهتم بتكوين فكرة موجزة عن كيف كان كل شيء منذ زماني مقلوبا، فإنه يحسن أن يبدأ بقراءة هذا الكتاب"، وخصوصا الفصل الصغير منه المعنون بـ"حالة سقراط"، لتقارن التأويلات بعضها ببعض كي تكوّن رأيك الخاص. هناك شيء بديهي واضح وضوح الشمس، بالنسبة لأول قارئ لنيتشه،وهو أنه سوف لا يجد "النظرية" أو "البراكسيس" أو "نظرية الخلاص" على غرار ما يجده عند الرواقيين أو عند الفلاسفة اللاهوتيين، أو حتى عند ديكارت أو روسو أو كانط. إن نيتشه "فيلسوف جنيالوجي"، وهو اللقب الذي منحه لنفسه؛ " مفكِّك"، قضى حياته في الهجوم على أوهام الفلسفة التقليدية، ولايمكن لهذه الخاصية أن تخفى على أحد.
    هل يعني هذا أنك سوف لا تصادف في أعمال نيتشه فكرا يحل محل الأفكار القديمة، ويعوض "أوثان" الميتافزيقا التقليدية؟ بالطبع، لا. فنيتشه لم يقوض الكوسمولوجية الإغريقية ،والمسيحية أو فلسفة الأنوار من أجل لذة الهدم والتقويض فحسب ، بل من أجل أن يضع أفكارا جديدة جذرية، ستشكل بمعنى لم يسبق له مثيل "نظرية" و "براكسيس" وحتى "فكرة الخلاص" من نوع جديد.

    I-

    ماوراء النظرية : "العلم المرح" تخلَّصَ من الكسموس، و"الإله" و" أوثان" العقل.


    للنظرية الفلسفية théoria مظهران وهما: theion و orao أي البحث عن تحديد ما هو إلهي في الواقع للنظر إليه والتأمل فيه ،أي ما نريد معرفته والوسيلة التي نصل بها إليه. وبعبارة أخرى، تتضمن النظرية ، من جهة، تعريف الماهية الأكثر عمقا للوجود، لما هو أساسي في العالم الذي يحيط بنا ( ما يطلق عليه الأنطلوجيا، وتحيل كلمة أنطو الإغريقية على الموجود) ، وتتضمن ، من جهة ثانية، النظرة أو على الأقل وسائل المعرفة التي تسمح بإدراك الوجود، (وهو ما يسمى بنظرية المعرفة) .
    نجد مثلا عند الرواقيين ان الأنطلوجيا تقوم على تحديد الماهية الأكثر عمقا للوجود، وما في الواقع أكثر واقعية أوأكثر"ألوهية" كالهارمونيا والكسموس والنظام المتناسق، والعادل والجميل. أما فيما يتعلق بنظرية المعرفة، فإنها تقوم على التأمل الذي يتمكن بفضل النشاط العقلي من إمساك الجانب "المنطقي" للكون، أي اللوغوس الكوني الذي ينظم العالم كله. كما نجد عند المفكرين المسيحيين أن الكائن الأسمى الموجود حقا، ليس هوالألوهية المحايثة للكسموس ، ولكن هو الإله المتعالي . أما الوسيلة الملائمة للتفكير فيه، أو بالأحرى للاتصال به بصورة ما ، فلم تعد العقل وإنما الإيمان. أما عند الحداثيين، وخاصة عند نيوطن وكانط ، حيث كف الكون عن أن يظل "كسموس" أو ذات صبغة إلهية، ليصير نسيجا من القوى، يكون على العالِِِم أن يجهد فكره لاستجلاء القوانين الكبرى كقانون العلية مثلا والذي يتحكم في العلاقات بين الأجسام.
    هكذا سنتتبع هذين المحورين الأساسيين للنظرية عند نيتشه، لنرى ما أحدث بهما من تفكيك، وكيف أعاد صياغتهما بصورة لم يسبق لها مثيل. إن نظرية نيتشه ، وبدون التلاعب بالألفاظ ، هي لا-نظرية a-theoria (- بالمعنى الذي يمنح لحرف a في اللغة الإغريقية أي "بدون"-) ، إذ ، من جهة ، فإن عمق الواقع عنده ، والماهية الأكثر عمقا للوجود ليست كسموسا ولا ذات صبغة ألوهية، بل هي عكس ذلك. ومن جهة أخرى، فإن المعرفة لا تستمد من مقولات الرؤية –من orao الإغريقية – ولا من التأمل أو المشاهدة المنفعلة، كما هو الأمر عند القدماء ؛ أكثر من هذا ، ليست المعرفة ، كما عند الحداثيين، محاولة لبناء روابط بين الأشياء ،رغما عنها، من أجل العثور على صورة جديدة للنظام والمعنى ؛ بل هي على العكس ،"تقويض" أطلق عليه نيتشه اسم "الجنيالوجيا" .
    كلمة "الجنيالوجيا" في حد ذاتها كافية للإفصاح عن نفسها : فمثلما يتم العمل على إعادة بناء سلالة أسرة ما من شجرتها بجدورها وجدعها وأغصانها، كذلك على الفلسفة ، حسب نيتشه، أن توضح الأصل المخفي للقيم والأفكار التي تريد لنفسها أن تكون محصنة ، مقدسة، آتية من السماء ... من أجل إنزالها إلى الأرض، والكشف عن الكيفية التي تولدت بها، وغالبا ما تكون أرضية . وهذه الكلمة من الكلمات المفضلة عند نيتشه.
    لنر ذلك عن قرب قبل العودة إلى الأنطلوجيا.

    (يتبع)

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 5:50 pm