منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه - 4 -

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه - 4 -

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:23 pm

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه - 4 -


    نواصل الرحلة معا صحبة نيتشه في الحلقة الرابعة.

    *******


    أ- نظرية المعرفة : كيف تحتل " الجنيالوجيا " مكان النظرية.
    إن أطروحة نيتشه الأساسية واالعميقة جدا ، والتي سيؤسس عليها كل فلسفته ، هي أن لا يوجد بتاتا أي وجهة نظر خارجة عن الحياة أو متفوقة عليها، ولا يمكن أن تتمتع بامتياز لتتجرد عن نسيج القوى التي تشكل عمق الواقع، والماهية الأكثر عمقا للوجود . إضافة إلى أن أي حكم حول الوجود عامة ، لا يتمتع بأدنى معنى، إن لم يكن مجرد وهم، أو أعراض لا تعبر إلا على حالة القوى الحيوية لصادر الحكم.
    هذا ما سيعبر عنه نيتشه بوضوح في هذه الفقرة الحاسمة من كتاب "غروب الأوثان" أو "أفول "الأصنام".(حالة سقراط : فق : 2) .
    " إن أحكاما ما ، أحكام قيمة عن الحياة، مع أو ضد الحياة، لا يمكنها أن تكون حقيقية، في نهاية المطاف : لا قيمة لها إلا كأعراض، ذلك أن أحكاما مثل هاته ليست ، في حد ذاتها، سوى حماقات. على المرء إذن أن يعاني من أجل الإمساك بهذه الرقة المدهشة، وهي أن قيمة الحياة لا يمكن أن تُقدَّر. ليس من طرف إنسان حي لأنه جزء من الخلاف، بل موضوع الخلاف؛ وليس من طرف ميت لسبب مخالف تماما. أن يرى الفيلسوف ، من جانبه، في قيمة الحياة معضلة، هو ذا ما ينطق ضده ، هو ذا ما يضع حكمته موضع شك، بل لا حكمة له " .
    لا يمكن، بالنسبة للمفكر المقوض والجنيالوجي، أن يوجَد أي حكم قيمة "موضوعي" و"لامبالي" فحسب ، بمعنى مستقل عن كل مصلحة لمن أصدر الحكم، – وهذا يفترض مقدما تحطيم كل التصورات الكلاسيكية للحق والأخلاق – ولكن للأسباب ذاتها، لا يمكن أن توجد "ذات في ذاتها" مستقلة ومتحررة، ولا "وقائع في ذاتها" موضوعية وصادقة صدقا مطلقا ، إذ أن كل أحكامنا ومنطوقاتنا والعبارات التي نتفوه بها أو الأفكار التي نعبر عنها، كلها تعبيرات عن حالاتنا الحيوية، ونابعة من الحياة فينا، وليست أبدا كيانات تجريدية، مستقلة، متحررة من القوى الحيوية التي توجد فينا. وكل العمل الذي تقوم به الجنيالوجيا هو البرهنة على هذه الحقيقة الجديدة المتسامية عن كل الحقائق الأخرى.
    لهذا، وحسب إحدى عبارات نيتشه الشهيرة، "لا توجد وقائع وإنما تأويلات" : أي، فمثلما لا يمكن أن نكون أفرادا مستقلين وأحرارا ، متعالين عن الواقع الذي نعيش فيه، ولكن مجرد نتاجات تاريخية غارقة من كل جهة في هذه الحياة، كذلك، وعلى النقيض مما يفكر فيه الوضعيون والعلمويون، لا توجد " وقائع في ذاتها" . يقول العالِم عن طيب خاطر: "الوقائع هاهنا ! "أي الوقائع هي الحكَم الفصل، لكي يبعد اعتراضا أو بكل بساطة للتعبير عن الإحساس الذي خبره تجاه إلزامية "الحقيقة الموضوعية" . بيد أن "الوقائع" التي يدعي الخضوع لها وكأنها معطى لا يمكن مساسه أو الاعتراض عليه، إذا ما تموقعنا على الأقل على مستوى التفكير العميق ، نجد أنها ليست سوى نتاج ،هو نفسه متغير، لتاريخ الحياة عامة، وللقوى التي تكونها في أي لحظة خاصة .
    الفلسفة الأصيلة الصادقة ، إذن ، تقود نحو وجهة نظر عميقة لا قعر لها: إن فاعلية التقويض التي تحرك الجنيالوجي تدرك في آخر المطاف، أن وراء التقويمات لا يوجد أساس وإنما عمق شديد الغور، ووراء "ما خلف-العوالم" عوالم أخرى لا يمكن أبدا الإمساك بها . و من اللازم على الفيلسوف الصادق، بمفرده، خارج «القطيع"، أن يواجه المهمة المرعبة، وهي إنعام النظر في هذا الغور السحيق دون تهيب.
    يقول نيتشه : " المتوحد (...) يشك فيما إذا أمكن الفيلسوف أن يتوصل إلى آراء "خاصة ونهائية" بعامة: ألا يوجد، ألا يجب أن يوجد لديه خلف كل كهف آخر وأعمق، عالم أشمل وأغرب وأغنى فوق أي سطح، وسحق سحيق وراء كل أساس وتحت كل "تأسيس". إن كل فلسفة تواري أيضا فلسفة؛ كل رأي مخبأ أيضا، وكل كلمة قناع أيضا". (ما وراء الخير والشر. فق:289 )
    لكن، إذا لم تصل المعرفة أبدا إلى الحقيقة المطلقة، وإذا كانت تُصدُُّ دوما عن كل الآفاق، دون أن تتمكن من الوصول إلى صخرة صلبة ونهائية، فذاك ، بطبيعة الحال، راجع إلى أن الواقع نفسه عماء (كاووس) لا يشبه في شيء المنظومة المتناغمة عند القدماء، ولا الكون "المعقلن" عند المحدثين. بهذه الفكرة الجديدة، ستدخل فعلا إلى قلب الفكر النيتشوي.
    ب – الأنطلوجيا: تعريف العالم كعماء (كاووس) ليس له من الكسموس أو الألوهية شيء.
    إذا أردت أن تفهم نيتشه فهما جيدا،فما عليك سوى أن تنطلق من هذه الفكرة ، وهي أنه كان يفكر في العالم على النقيض تقريبا من الرواقيين. هؤلاء قد جعلوا من العالم كسموسا ، نظاما متناغما خيّرا، بحيث يدعوننا إلى اتخاذه نموذجا لكي نجد فيه موقعنا. أما نيتشه فيعتبر العالم ، سواء كان عضويا أو لا عضويا، سواء كان بداخلنا أو خارجا عنا، كفضاء رحب من الطاقة، كنسيج من القوى أو الدوافع الكثيرة اللانهائية والعمائية (الكاووتية) والتي لا تختزل في الوحدة. وبعبارة أخرى ، فإن الكسموس الإغريقي ، في نظره، إفك بامتياز. أكيد أنه اختراع جميل، ولكنه موجه لعزاء الناس وطمأنتهم. يقول نيتشه : "أوَ تعرفون جيدا ما هو العالم بالنسبة لي؟ أتريدون أن أظهره لكم في مرآتي؟ هذا العالم وحش من القوى، بدون بداية ولا نهاية، حاصل جمع ثابت من القوى الصلبة صلابة البرونز(...) بحر من القوى في حالة هيجان، مدّ واندفاق مستديم ".
    رب قائل أن مثل هذا النقد وجدناه عند الحداثيين كنيوطن أوكانط مثلا، الذي فجر الكسموس الإغريقي . فما الجديد إذن عند نيتشه؟ وهل ذهب أبعد منهم في تقويض فكرة التناغم؟
    إن الاختلاف بين ما بعد الحداثيين والحداثيين ، أو الاختلاف بين نيتشه وكانط، هو أن هذا الأخير ومن سار على هديه، كانوا لا يزالون يبحثون بكل قواهم عن الوحدة والانسجام والنظام في العالم ، بل ويضخون فيه نوعا من العقلانية والمنطق. إن العالم بالنسبة لنيوطن مثلا ، وبالرغم من كونه نسيجا من القوى والأشياء تتصادم فيما بينها، هو على الأقل ،في نهاية المطاف، عالم منسجم موحد ، يسير وفق قوانين مثل قانون الجاذبية الكونية التي تسمح بالعثور على نوع من النظام بين الأشياء.
    يعتبر هذا العمل ، في نظر لنيتشه، مجهودا ضائعا، يبقى ضحية أوهام العقل والمعنى والمنطق، إذ من غير الممكن إعادة الوحدة للقوى العمائية (الكاووتية) للعالم. إننا وقعنا في رعب فظيع،كرجال عصر النهضة الذين شاهدوا انهيار الكسموس تحت ضربات الفيزياء الجديدة، لكنه رعب بدون أي "عزاء" ممكن.
    " مرة أخرى تتملكنا رعشة رهيبة: - مَنذا الذي يرغب إذن في إعادة تأليه وحش العالم المجهول هذا، وعلى طريقة القدماء؟ (...) آه ، هذا الشيء المجهول يتضمن الكثير من إمكانيات التأويل غير الإلهية، الكثير من الشيطانيات، من البلاهات، ومن الحماقات" (العلم المرح. فق:374 ).
    ليست العقلانية العلمية للحداثيين بدورها سوى وهم، شكل من أشكال مسايرة الكسمولوجيات القديمة في العمق، "إسقاط" بشري (وهنا يستعمل نيتشه الكلمات التي سيتبناها فرويد فيما بعد)،أي طريقة تؤخذ بها الرغبات على أنها حقائق واقعية، ونكتسب بها سلطة ظاهرية على مادة بدون معنى، ومتعددة الصور، وعمائية تنفلت منا في الواقع من كل الجهات.
    لقد تحدثُ لك عن بيكاسو وشنونبرغ، وهما من الرواد المؤسسين للفن المعاصر، وهما في العمق على نفس الوتيرة مع نيتشه. لو شاهدت لوحات هؤلاء الرواد أو استمعت لموسيقاهم لوجدت أن العالم الذي يقدمونه لنا هو أيضا عالم مضطرب، عمائي، مهشم، لامنطقي، خال من تلك "الصورة الجميلة للوحدة" التي كان المنظور الفني واحترام قواعد التناغم، في الزمن الماضي، يصبغها على الأعمال الفنية. هذا ما يمنحك فكرة صائبة على ما حاول نيتشه التفكير فيه منذ ما يربو عن خمسين سنة قبلهم. من هنا عليك أن تسجل بالمناسبة أن الفلسفة، أكثر من الفن، كانت دوما متقدمة على زمانها.
    وكما ترى، ستكون في مثل هذه الشروط، حظوظ الفاعلية الفلسفية ضئيلة لتتأمل نظاما إلهيا يعمل على بَنَْينة الكون. ومن المستحيل أن تأخذ صورة "نظرية" على الأقل بالمعنى الحرفي للكلمة، أو صورة "نظرة" ذات صبغة ألوهية. إن فكرة وجود كون فريد متناغم هي قمة الوهم. وبالنسبة للجنيالوجي ، هناك بدون شك خطورة، بيد انها ضرورية من أجل تبديد ذاك الوهم.
    ومع ذلك، يبقى نيتشه فيلسوفا، يقتضي منه إذن كأي فيلسوف أن يفهم هذا الواقع الذي يحيط بنا، وأن يمسك بالطبيعة العميقة لهذا العالم الذي ينبغي أن نتعلم كيف نتموقع فيه، خصوصا وأنه يتصف بالعماء !
    لكن، وبدلا من البحث ،بأي ثمن، عن عقلانية في هذا العماء، وفي هذا النسيج من القوى المتناقضة والتي يطلق عليها نيتشه الحياة، سيقترح علينا التمييز بين مجالين متمايزين، بين نوعين عظيمين من القوى، أو كما يقول أيضا "الدوافع" أو "الغرائز"؛ فمن جهة، القوى "الارتكاسية"، ومن جهة أخرى القوى "الفاعلة".
    سيتأسس حول هذا التمييز كل فكر نيتشه. ويمكن القول، كمقاربة أولية، أن نموذج القوى الارتكاسية على المستوى الفكري هو "إرادة لحقيقة" التي تحرك الفلسفة الكلاسيكية والعلم، وعلى المستوى السياسي فإنها تسعى إلى تحقيق المثال الديموقراطي؛ على العكس من ذلك، تراهن "القوى الفاعلة" على الفن، أما عالمها الطبيعي فهو العالم الأرستوقراطي.
    لنر هذا عن قرب.


    (يتبع)

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 7:06 am