منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه -8-

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه -8-

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:30 pm

    ما بعد الحداثة - حالة نيتشه -8-

    أهلا بالأصدقاء
    أقدم لكم اليوم الحلقة الثامنة عسى أن تساهم في توضيح ما استغلق فهمه في الحلقة السابقة:

    "إن فكر نيتشه، على الأقل في هذه النقطة، واضح وضوحا تاما، فتعريفه "للعظمة" في كل مؤلفاته في مرحلة النضج، متواطئة لا لبس فيها. وكما هو واضح في فقرة من كتاب"إرادة القوة"، أحد مؤلفاته الذي نشر بعد وفاته: " لا تقاس عظمة الفنان بما يثيره من "عواطف جميلة"، ولكنها تكمن في "عظمة الأسلوب" أي في القدرة على التحكم في العماء الداخلي، وفي إجبار عمائه على أن يتخذ صورة؛ وأن يعمل بطريقة منطقية، بسيطة، قطعية، رياضية، وأن يصير قانونا، هذا هو الطموح العظيم" .
    ينبغي أن نعيد القول بوضوح: إن مَنْ تفاجئهم هذه النصوص، هم أولئك الذين يرتكبون خطأ بليدا بقدر ما هو متكرر، وهو النظر إلى النيتشوية كمذهب فوضوي، كفكر "يساري"، يستبق حركاتنا الفوضوية. لا شيء خاطئ، فتقريظ الصرامة "الرياضية"، وعبادة العقل الواضح والصارم، تجدان، هما أيضا، مكانتهما وسط قوى الحياة المتعددة. لنذكِّر مرة أخيرة بالعقل: إذا اعتبرنا أن القوى "الارتكاسية" هي تلك التي لا يمكن لها أن تنمو إلا بإنكار قوى أخرى، وينبغي أن نقر أن نقد الأفلاطونية ، وبصفة عامة، العقلانية الأخلاقية، تحت أي شكل من الأشكال، ، ومهما كانت مبررة في نظر نيتشه، فإنها لا يمكن أن تقود بكل بساطة إلى إلغاء العقلانية. فمثل هذا الاجتثاث لا يمكن أن يكون إلا ارتكاسيا . وإذا أردنا أن نصل إلى تلك العظمة التي هي علامة على تعبير ناجح للقوى الحيوية- تنظيم هذه القوى بصورة تكف فيها عن التصارع بينها- فيجب ، في هذا التراتب والتنظيم ، أن تجد العقلانية موقعها.
    إذن، لا شيء يقصى؛ وفي خضم الصراع بين العقل والأهواء، لا يتم اختيار هذه على حساب ذاك، وإلا سقطنا في "البلاهة" أو ارتكبنا "حماقة".
    لست أنا من يقول هذا، وإنما هو نيتشه في مواضع شتى من مؤلفه "أفول الأصنام". ففي الفصل المعنون بـ "الأخلاق باعتبارها تظاهرة ضد الطبيعة" (فق 1) يقول: "لكل الأهواء زمن تكون فيه مضرة، تجذب فيه ضحيتها إلى الأسفل بكل ثقل البلاهة؛ وزمن آخر، متأخر جدا، تقترن فيه بالعقل، أو "تتروْحَن" ". وبقدر ما يبدو هذا مفاجئا لقراء نيتشه الفوضويين، فإنه جعل من ذلك "التروحن" معيارا أخلاقيا، وهي التي تسمح لنا ببلوغ "الأسلوب العظيم"، وبتدجين القوى الارتكاسية بدلا من رفضها ببلادة، وبتفهمنا لكل ما نجنيه من ربح من إدماج هذا "العدو الداخلي" عوضا عن إقصائه ، كيلا نضعف أنفسنا.
    هنا أيضا، لست أنا من يقول هذا، وإنما هو نيتشه وبطريقة بسيطة: (فق3)
    "الحميمية انتصار آخر لروْحنتنا : إنها تقتضي أن ندرك جيدا كم هو ثمين أن يكون للمرء أعداء (...). أما نحن، اللاأخلاقيون، الدجالون = [ضد المسيحيين] فنجد مصلحتنا في بقاء الكنيسة (...) وينسحب هذا على السياسة الكبرى. اختراع جديد، مثلا إمبراطورية حديثة بحاجة إلى الأعداء أكثر مما هي بحاجة إلى الأصدقاء، فبالتعارض تبدأ بالشعور بنفسها، فتصير ضرورية. إننا لا نتعامل، بخلاف ذلك، مع عدونا الداخلي: هنا أيضا طبعنا العداوة بالروحية، وهنا أيضا أدركنا قيمتها".
    لم يتردد نيتشه، في هذا السياٌق، وهو الذي اشتهر بالدجال، وبالإصرار على مهاجمة القيم المسيحية، من أن يعلن بصوت عال وواضح، أن " استمرار المثال المسيحي هو جزء من الأشياء المرغوب فيها كيفما كانت". مادام يمنحنا ، بواسطة المواجهة التي يسمح بها، وسيلة مضمونة لكي نصير أعظم.
    في "إرادة القوة" (فق400) يقول: " لقد أعلنتُ الحرب على المثال الشاحب للمسيحية (وكذا على كل من يمت له بصلة )، ليس بنِية تدميره، ولكن من أجل وضع حد لطغيانه (...) إن استمرار المثال المسيحي هو جزء من الأشياء المرغوب فيها كيفما كانت.: وليكن بسبب المثال [الآخر] الذي يريد أن يكون له قيمة مساوية له، وربما أعلى منه.- إذ ينبغي لهذا المثال أن يكون له خصوم أشداء لكي يصير قويا. وهكذا، نحن اللاأخلاقيين نستعمل قوة الأخلاق: إن غريزة البقاء عندنا، ترغب في أن يحفظ خصومنا قواهم- يريد المثال فقط، أن يصير سيدا على خصومه".
    إذا فهمتَ جيدا ما سبق، وخاصة التمييز الدلالي بين الارتكاسية والفاعلية، فلا يمكن أن تفاجئك هذه النصوص، التي تبدو مستعصية على الفهم، ومتناقضة بالنسبة لقارئ سيء لنيتشه. وبطبيعة الحال، فإن تلك "العظمة" هي التي تشكل أبجدية "الأخلاق النيتشوية" ، والتي ينبغي أن توجِّهنا في البحث عن حياة طيبة، وذلك من أجل سبب صار بالتدريج بديهيا، وهو : وحدها ،تلك العظمة، هي التي تسمح لنا بإدماج كل القوى فينا؛ وحدها من تجيز لنا أن نعيش حياة أكثر"شدة" وكثافة، بمعنى غنية بالتنوع، وكذلك أكثر "قوة" – بالمعنى الذي يمنحه "لإرادة القوة"- لأنها أكثر انسجاما: لم يعد الانسجام هنا، وعلى خلاف ما كان عليه عند القدماء، وهو شرط الرقة والسلام، وإنما يعني تجنب الصراعات التي تستنزف، والبتر الذي يُضعف القوة العظمى.
    لهذا أيضا، لم يعد لمفهوم "إرادة القوة" صلة، تقريبا، بما يعتقد القارئ السطحي فهمه. ينبغي أن أقول لك كلمة عنه، قبل أن نتابع السير بعيدا.

    (يتبع)

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 5:46 pm