منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    قراءة في كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    قراءة في كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:58 pm

    قراءة في كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة


    في هذا الفصل المعنون ب "نزع القناع عن العلوم الإنسانية"عبر نقد العقل يدخل هابرماس في نقاش عميق مع مشيل فوكو، من خلال تتبع القضايا التي ينتقد فيها مشيل فوكو العقل الغربي وفلسفة الذات، وبشكل عام انتقاده للحداثة، والوقوف على الإحراجات التي سقطت فيها نظرية السلطة عند فوكو. ثم يعمل هابرماس على تجاوز هذا النقد الموجه لفلسفة الذات باقتراحه لنظرية الفعل التواصلي.
    لقد قام مشيل فوكو بأكبر محاولة لنقد العقل الغربي وتعرية ملابساته السلطوية وكل أشكال الهيمنة التي ترافقه، وأثبت أن هذا العقل ليس معرفيا محضاً، وليس واعدا بالحرية كما يزعم وإنما هو متورط في ممارسات القوة والهيمنة والسلطة، هذه السلطة التي أصبحت تهيمن بشكل كلي على كل مستويات الوجود الإجتماعية للبشر.
    هنا نجد أن نقد فوكو موجه بالأساس نحو العلوم الإنسانية ومحاولة كشف النقاب عنها، بإثبات أصولها السلطوية، عن طريق ما يسميه بعلم الأصول الأقدام للمعرفة وعلم تاريخ النسب. فمنذ كتابة تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي "1961" يعلن فوكو عن تطلعه لإنتاج نقد للعقل، فالجنون يمثل الجانب الآخر للعقل، الجانب المقصي والمهمش، إنه مكان الحقائق السرية، ويقوم بوظيفة مرآة تنزع بسخرية القناع عن أشكال الضعف الإنساني.
    لقد عمل فوكو عن طريق علم تاريخ النسب على البحث عن الأصول الأولى لنشأة العلوم الإنسانية وأيضا اكتشاف البدايات الطارئة للتكوينات النظرية وتحليل تعددية التواريخ الفعلية للمصدر وحل مظهر الهوية، أي هناك حيث تزعم النفس أنها تتوحد، هناك حيث تخترع .الأنا لنفسها هوية أو تماسكا وأيضا تفكيك الاستمراريات المزيفة، لإثبات الانقطاعات.
    هنا يؤكد فوكو أن العلوم الإنسانية عوض أن تكون محررة للإنسان فإنها عملت بالعكس على التبرير العلمي للقرارات التشريعية والعمليات البوليسية والإرشادات التربوية والاحتجازات، والعقوبات وأشكال الضبط وأشكال الترويض الجسدي والذهني، هاته العمليات تمثل تدخل سلطات الدمج الاجتماعي في النسيج الطبيعي للأفراد الطبيعيين فهذه العلوم الإنسانية، علم النفس السريري، علم الاجتماع، علم التربية، علم السياسة الأكثر الأنتربولوجيا الثقافية في نظر فوكو هي وسائل إعلام تعزز وتتصدر السيرورة المقلقة لهذا الدمج الإجتماعي، أي في الواقع الوضع تحت إشارة السطلة.
    لقد حلل فوكو بشكل عميق الطريقة التي نشأت بها مؤسسات الملجأ والعيادة النفسية والمستشفى بدءاً من ق17 مع موجهة الاعتقالات الكبرى 1659 ومع نهاية ق18 تم تحويل بيوت الاعتقال هذه إلى مؤسسات مغلقة موضوعة تحت الإشراف الطبي موجهة إلى هؤلاء الذين وصفهم التشخيص الطبي بمرض العقل، وبعد ذلك تم تطهير الملجأ وتحويله إلى مؤسسة وهذا يتناسب مع الموضعة Objectivation العلمية للجنون والمعالجة السريرية للمصابين به. وهذا يتجلى في إشكال المصنع والسجن، الثكنة، المدارس المدنية والعسكرية. هذه المؤسسات التي تمحي التمايزات الطبيعية والتي تعبر عن العقل بوصفه سلطة تنظيم، لا تكتفي فقط بفرض قانونها على الجنون، ولكنها ترفضه بعد الآن لا على الحاجات الطبيعية العضوية للفرد فحسب بل أيضا على الهيئة الإجتماعية للجماعة بمجملها. وهذه النظرة هي نظرة الذات العقلانية المتمركزة حول ذاتها، لا يمكنها في عزلتها الفردية إدراك الذوات الأخرى إلا بمثابة أشياء تدرك عبر ملاحظة منفعلة، وهذه هي البنية التي عملت على ميلاد العلوم الإنسانية .
    لقد تركز نقد فوكو أساسا حول مسألة السلطة في نقده للحداثة ولكنه ليس هناك مبرر كافي لاستخدامها المنهجي. وإذا كان تأثره بنتشه وموازاة مع السياق السياسي والخيبة التي تبعت إخفاق أحداث 1968 تقدم مبررا ذاتيا لمثل هذا الأسلوب في تصور علم تاريخ للعلوم الإنسانية التي تتعلق بنقد العقل، ولكن هذا لا يبرر من جراء ذلك الاستعمال الخاص لمفهوم السلطة الذي يثقل به فوكو مشروعه المتناقض وهذا الانعطاف نحو نظرية في السلطة حسب هابرماس ينبغي أن يفهم بمثابة محاولة مدفوعة من الداخل لتخطي المشكلات المطروحة على فوكو بعد أن أنشأ في كتابه "نظام الخطاب" مشروعا يرمي إلى رفع القناع عن العلوم الإنسانية بوسائل تحليل الخطاب وحدها.
    في كتابه "الكلمات والأشياء" 1966 درس فوكو الأشكال الحديثة للمعرفة épistema هنا أيضا في تاريخ الفكر الحديث، يشير فوكو إلى العتبتين التاريخيتين وهما الانتقال من عصر النهضة إلى العصر الكلاسيكي، ومن العصر الكلاسيكي إلى الحداثة، فإذا كان فكر النهضة محكوما بصورة كونية للعالم حيث يمكن تنظيم الأشياء وفقا لعلاقات تماثل، أو استنادا لشكلها. لأن كل توقيع في كتاب الطبيعة الكبير يحيل إلى التواقيع الأخرى، بينما تؤسس عقلانية القرن السابع عشر نظاما مختلفا كل الاختلاف داخل الأشياء يقوم على التصوير والتصنيف عن طريق اللغة التي بواسطتها يربط التصور بالمتصور وأيضا تلتقي الذات والشيء المتصور، ومع عصر الحداثة سينكسر الختم الميتافيزيقي الذي كان يضمن التكافؤ بين اللغة والعالم. حيث كان على الذات المتصورة، كيما ترى بوضوح في السيرورة الإشكالية للتصور ذاته أن تتحول إلى موضوع ويعود مفهوم التفكر الذاتي وعلاقة الذات المصورة بذاتها الأساس الوحيد لأشكال اليقين والإنسان هنا عليه صنع نظام للأشياء منذ اللحظة التي يعي فيها وجوده بوصفه وجوداً مستقلا ومتناهيا في وقت واحد، وهنا يأتي كانط ليرفع هذه المعضلة إلى مبدأ بناء نظريته المتعالية في المعرفة بتحويله حدود ملكة معرفة متناهية إلى شروط متعالية لمعرفة تتقدم إلى مالا نهاية ومع هذه الفكرة تبدأ الحداثة. وهنا ينتقد فوكو الحداثة بكونها تتصف بشكل ذاتي التناقض وبشري التمركز للمعرفة. ذات متناهية تتعالى على ذاتها في اللامتناهي" هذه الإرادة في المعرفة أو إرادة الحقيقة لدى فوكو هي مفتاح الصلة الداخلية بين المعرفة Savoir والسلطة Pouvoir. ولكن فوكو يسقط هنا في فرضية يعمم من خلالها هذه .الإرادة الخاصة للمعرفة المكونة للعلم الحديث. والقول أيضا أن كل قول يتمتع بقيمة سلطوية وبأصل صادر عن ممارسات السلطة.
    ثم ينتقل هابرماس إلى عرض الاحراجات النظرية في السلطة وهي أولا:
    - القرابة الموجودة بين اركيولوجيا المعرفة وبين نقد الميتافزيقا عند هايدغر .وهذا ما دفع فوكو إلى التخلي نهائيا عن مفهوم الفسحة/ الوحدات المعرفية epistéme (أشكال المعرفة الخاصة بكل عصر، عصر النهضة، الكلاسيكي، الحديث/
    - تأثر فوكو بالبنيوية وإيمانه بأنها القادرة على التفكير بخواء الإنسان المختفي ولكن البنيوية قد تخلت سراً عن نموذج تصورية علاماتية لوصف الشكل الكلاسيكي للمعرفة.
    - كيف يمكن لفوكو بدون أن يهدد استقلالية المعارف أن ينشئ الصلة بين التحليل للقول العلمي للعلوم الإنسانية واستكشاف الممارسات التي كان قد اهتم بها سابقا في كل دراساته.
    - إثبات العلاقة بين المعرفة والسلطة لا يمكن أن يؤسس فقط على الحجج الوظيفية (مثل تطبيق معارف العلوم الإنسانية في إطار معالجة أو تقنية اجتماعية ينتج عنها آثار ضابطة.
    وللخروج من هذه الإحراجات النظرية ومن فلسفة الذات، يؤكد هابرماس على نظرية في العقل التواصلي. فالنتشويون يتجاهلون الرأي المضاد المرافق في منشئه للقول الفلسفي للحداثة الذي دشنه كانط هيأ منذ ذلك الحين، نظيراً للذاتية كمبدأ للحداثة.
    وقد حاول بعض الفلاسفة أمثال شيلر، فيخته، شيلنغ وهيغل حل الإحراجات المقولية لفلسفة الوعي. وبالنسبة لهيغل وماركس كان يمكن أن يكون الحل في إدخال حدس الكلية الأخلاقية لا في الأفق المرجع للذوات العارفة والعاملة، بل شرحه انطلاقا من نموذج إعداد بلا إكراه للإرادة في إطار طائفة تواصلية تنصاع لضرورات التعاون. وكان يمكن أن يكوم من جهة أخرى بالنسبة لهيدغر وديريدا في أن تنسب الأفاق التي خلق عبرها معنى فهم العالم، لا إلى الوجود الإنساني الذي يضفي ذاته بشكل بطولي، أو لحدث تاريخي يعيد البني بدون معرفة العاملين، بل إلى عوامل معاشة، بنيت بالتواصل وتعيد إنتاج ذاتها عبر الوسيط الملموس لفاعلية موجهة نحو التفاهم. وذلك حتى يتوقف الاتجاه المموضع Objectivant حيث تعود الذات العارفة إلى ذاتها كما تعود إلى الأشياء المادية الموجودة في العالم. والأساسي في نموذج التفاهم هو الاتجاه الأداتي الذي يتبناه هؤلاء الذين يشتركون في تعامل، الذين ينسقون مشاريعهم بالاتفاق فيما بينهم على أمر ما موجود في العالم. ومفهوم العالم المعاش لا يبينه أشخاص محددون وإنما نتاج للثقافة والتنشئة الإجتماعية وتكامل الجماعات والقيم. وفي إطار هذه النظرية فإن إنتاج المعرفة يتم بين ذوات عن طريق التفاعل والتبادل وهذه المعرفة قابلة للخطأ. ومن ثم فإن الفصل بين المتعالي والتجريبي لم يعد مقبولا.

    استطراد حول التأسيس التخيلي للمجتمع عند "كور ينليوس كاستور ياديس بكاستور ياديس:
    ولد "كاستور ياديس" سنة 1922 باليونان، لكنه لم يعمر كثيرا بها، حيث انتقل إلى باريس في سن العشرين هرب من أهوال الدكتاتورية العسكرية. يمكن تقسيم كتاباته إلى مرحلتين.
    المرحلة الأولى من سنة 1946 إلى 1967 تميزت بالطابع السياسي
    المرحلة الثانية من سنة 1968 إلى سنة 1997، تميزت بالطابع العلمي، حين يجمع بين التحليل النفسي وباقي علوم الأخرى، كالسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا
    يجمع كاستور ياديس في فلسفته بين الفلسفة والتحليل النفسي، فهو ينطلق في تفكيره من المجتمع والفرد على حد السواء، في إطار علاقة تشاركية بينهما، أي أنه لا يعطي الأهمية للمجتمع وحده، ولا يعطي الأهمية للفرد وحده، وإنما الأهمية للجمع بين المجتمع والفرد في إطار علاقة جديدة بين الممارسة والتجربة.
    في إطار محاولته الجديدة من أجل تجديد ودفع فلسفة "البراكسيس" نحو الأمام، وعبر الاستفادة من رواد هذه الفلسفة،".كارل ماركس" ، وهربت ماركوز" و"سارتر." في كتابه" نقد العقل الجدلي"، تأتي محاولة كاستور ياديس، باعتبارها محاولة أصيلة وأكثر طموحا من أجل متابعة التفكير في الوساطة بين الطبيعة الخارجية والداخلية والتاريخ والمجتمع بوصفها براكسيس" وينطلق كاستور ياديس" من الوعي الحديث للزمان في تعريفه "للبراكسيس" بحيث يكون دافعا وحافزا نحو المستقبل ومنتجا للجديد، في نفس الوقت، فيصفه "بالخلاق" المحرر لأنه يحول المجتمع الراهن إلى مجتمع منظم، ويهدف من ذلك كاستور ياديس إلى تجاوز الدوغمائية الماركسية، في إطار رفضه لوجود نظرية شاملة ومكتملة للحقيقة وللتاريخ، وإعادة النظر في رؤيتنا للعلاقة بين النظرية والممارسة فالنظرية هي كشف لواقع وشروط تطور الشيء، أما الممارسة أو "البراكسيس" هي الممارسة الحرة والمتحررة، من هنا نجد سبب .رفض" كاستور ياديس" للمفهوم المستعمل حول "السياسة" باعتبارها تطبيقا لنظرية معينة.
    ينطلق كاستور ياديس" في تصوره من مفهومه الأساسي، وهو "المخيال المركزي" وهو مفهوم استقاه من دراسة" لفرويد" وميرلو بونتي" ويقصد به أن عملية التأسيس لم تعد من طرف الذات، بل المجتمع الذي ينفتح على العالم ويعطيه معنى جديدا، أي أن عملية الخلق هي إنجاز بشري وخلق متواصل، هو نشاط دائم يسعى إلى تجاوز الجوانب الإجتماعية، ولا يهمه فقط القضاء على كل أشكال الاستغلال وإنما هو تأسيس متواصل ومراجعة لعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقته بأدواته ووسائل عمله وفكره وتاريخه. أما السياق العام الذي جاء به كاستور ياديس" بهذا المشروع، هو في كشفه لأزمة المجتمعات الغربية المعاصرة، خصوصا في افتقادها لتمثل ذاتي، وكون مختلف الإيديولوجيات الوثوقية عجزت عن إيجاد إيجابة ممكنة لهذه الأزمة، وتجاوز لهذه الحالة ينطلق من تحرير هذا المخيال المركزي الفردي والجماعي عبر صياغة تصور لا يكون خاتمة الفكر وإنما يفتح إمكانيات أخرى للإنسانية .
    في إطار التأسيس التخيلي للمجتمع الذي يربط بين الفرد والمجتمع أو الوساطة بينهما، فهو يثير مجموعة من الصعوبات كما يطرحها "هابر ماس" خصوصا منها أن مثلا طبيعة الصراعات بين النفوس ليست لها علاقة بالصراعات الإجتماعية، أي أن كل مكون يختلف عن الآخر، فالفرد له حيثياته وشروطه والمجتمع كذلك له مميزاته.
    المضمون المعياري للحداثة.
    يعتبر "هابر ماس" أن مختلف الانتقادات التي وجهت للحداثة من طرف ما يسمى بفلاسفة "ما بعد لحداثة"، لا تتأسس على أسس منهجية، لأن هدفهم ليس النقد من أجل البناء، ولكن من أجل ضرب كل الأسس التي قامت عليها الحداثة "الذاتية، "العقل" "والحرية"، فهم لا يستحضرون ما يوجد في الواقع، أي مختلف الممارسات اليومية التي يعيشها الإنسان في علاقته بذاته وفي علاقته بالمؤسسات والقوانين إلى غير ذلك، على هذا الأساس، ينطلق "هابر ماس" في تشخيصه للمجتمع من مفهوم "الواقع المعاش" وينقسم إلى ثلاث مفاهيم:
    الثقافة "يحيل على المعرفة المتاحة حيث تستمد ذوات "الفاعلية التواصلية" تفسيرات من أجل معرفة الأمور الموجودة في العالم"
    المجتمع: "فهو (المعنى الضيق للعالم المعيش). النظم الشرعية حيث تستمد ذوات "الفاعلية التواصلية" تضامنا يقوم على انتماءات فئات بعقد علاقات بين شخصية
    " شخصية" "لفضة تقنية تعني، الكفاءات التي تكسب الذات بفضلها ملكتي الكلام والعمل، وبالتالي المشاركة بسيرورات تفاهم، وأيضا الكفاءات التي تجعلها قادرة على تأكيد هويتها".
    السؤال الذي شكل هاجسا قويا "لهابر ماس" هو كيف يكون الاندماج الإجتماعي ممكنا؟ وبالتالي فالمسألة هنا لا تختلف عنده ببناء نظرية حول المعرفة كما هو الشأن عند "كانظ"، وإنما ببناء نظرية حول المجتمع، وهذا ما تطلب منه إطلاعا شاملا على مختلف المجالات المعرفية، كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والمنطق واللسانيات.
    ينطلق "هابر ماس" في إطار محاولته، الإجابة عن هذا السؤال، من نقده لفلاسفة "ما بعد الحداثة" "نيتشه" هايدجر"، "ليوتار"... فهم ينطلقون من تجريدات بعيدة عن الإشكالات المطروحة على أرض الواقع، وهذا ما جعلهم يرتبطون أكثر بمجال الأدب بشكل عام، وباهتمامهم هذا فهم يبتعدون عن مجال العلم والفلسفة وفي إطار نقدهم للعقل ودعوتهم إلى تجاوزه في ما يسمى ب" "اللاعقل" يدمرون كل الأسس التي قامت عليها الحداثة، ويبررون نقدهم هذا على أن "العقل" يتطور وينتقل بعد ذلك إلى "العقل المتمركز" يسيطر على مختلف المجالات، كالعلم والفن والأخلاق، وفي رده يعتبر "هابر ماس" بأن نقد العقل أمر ممكن ولكن تجاوزه إلى " اللاعقل" أو ما شابه ذلك لا يمكن أن يحصل، فالعقل لم يستنفد كل إمكاناته، فرغم المشاكل والأزمات التي يعرفها العالم المعاصر ترجع إلى العقل الأنواري، ولتجاوز هذا الوضع لابد للعودة إلى العقل في إطار "نقد العقل بالعقل".
    ينتقل بعد ذلك "هابر ماس" إلى انتقاد فلسفة "الذات" أو "الوعي" وينطلق من ذلك من أن العلاقة بين الذات والموضوع ينظر إليها من طرف فلسفة الذات باعتبارها علاقة سلبية، أي أنها علاقة من طرف واحد فالذات تؤثر على الموضوع، وليس هناك تفاعل بين الذات والموضوع، أي لا وجود للتفاهم أو التواصل، على هذا الأساس سينظر "هابر ماس" نظرة جديدة لعلاقة الذات بالموضوع أو بذات أخرى، فالذات تربطهما مع الموضوع علاقة تفاعلية وتواصلية، فالفعل التواصلي يجمع بين فاعلين، كل واحد يدافع عن موقفه عبر إقناع الآخر وبالتالي يحدث النظام يضيف "هابر ماس" اللغة كوسيلة لتحقيق الفعل التواصلي.
    ينتقد أيضا "هابر ماس" فلسفة "البراكسيس" لأنها تجعل من مفهوم "الصراع" محرك التاريخ، فبواسطة الصراع ينتقل المجتمع من "نمط إنتاج" إلى آخر، كما أن تمييز الماركسية ما بين البنية التحتية" أي الإنتاج المادي وما بين البنية الفوقية، ذي الإنتاج الفكري، وإعطاء الأهمية للبنية التحتية على حساب "البنية الفوقية"، سيعيد هابر ماس إعطاء الأهمية لدور البنيات الفوقية, إلى جانب "البنيات التحتية من جهة واستبدال مفهوم الصراع بمفهوم "التواصل".
    في إطار تشخيصه للنظام الرأسمالي يعتبر "هابر ماس" أنه يقوم على مجموعة من العلاقات كالأسرة والدولة، هذه الأخيرة تسعى إلى جلب الموارد ولضمان استمرارها ومصدر هذه الموارد أفراد المجتمع الذي يؤدون الضرائب، لكن تحت تأثير النظام الصناعي تحول العمال إلى "بروليتاريا" خصوصا في الأرياف حيث تحول سكانها إلى رعاع، وهذا ما نبه إليه ماركس في إطار مفهوم "الإستلاب" الذي يعيشه العامل داخل المعمل. هناك إذن تعارض بين ضروريات النظام وضروريات "الواقع المعيش" أو الانفصام بين النظام "والعالم المعيش"، وهذا ما يؤدي إلى "تشيئة أشكال الحياة"،ولتجاوز هذا الوضع تطرح الماركسية حلا ثوريا من أجل تجاوز هذا النظام وإعادة إنتاج السيرورة الاقتصادية والاجتماعية أما "هابر ماس" فيقول بربط علاقة تبادلية بين النظام السياسي المجسد في الدولة باعتبارها جهازا ديمقراطيا يكتسب انطلاقا من سيادة الشعب وليس "الأمير" وبين "الواقع المعيش" أي الثقافة، الأفكار والتراث، لذلك لابد من تجاوز الرقابة التي يمارسها النظام إلى الرأسمالي عبر مؤسساته الإدارية على الأفراد عبر تحقيق التواصل والتفاهم بين النظام الرأسمالي و"الواقع المعيش" في إطار ما يسميه "هابر ماس" "الفضاء العمومي" والذي ينتج لنا كل تقنيات الاتصال والطباعة والنشر والتلفزيون إلى غير ذلك وانطلاقا من هذه التقنيات يتم تكوين "الرأي العام".
    يتحدث '' هابر ماس" في آخر هذا الكتاب عن نظرية "النظم" عند "لومان" وهي للإشارة نظرية حديثة، ترتبط بمجالات علمية، كالفيزياء والبيولوجيا، وتقوم هذه النظرية على نقد النظريات السابقة، لأن كل واحد منها، ركز على جوانب التنظيم (العمل والإنسان) باعتبار أن التنظيم نظام مقفل بينما ترى أنه نظام مفتوح يتفاعل مع البيئة المحيطة به وذلك لضمان استمرارية التنظيم فيصبح النظام محل "الذات"، والهدف هو تأسيس نظام يقوم على إنشاء المعنى من خلال إخضاع المجتمع بوصفه نظاما اجتماعيا أي آلية "التحكم" .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 5:38 pm