منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    أزمة الثقافة الإسلامية أم الدعوة إلى إلحاد أرستقراطي الدكتور نور الدين جباب

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    أزمة الثقافة الإسلامية أم الدعوة إلى إلحاد أرستقراطي الدكتور نور الدين جباب

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 29, 2010 6:31 am

    إن الإسلام يترقب قيام لوثر جديد فيه
    جمال الدين الأفغاني

    "...الرقعة العربية فلئن ظلت لمدة طويلة مركز الخلافة والحضارة و الثقافة ..فإن الضربات المغولية والتيمورية ثم الاحتلال العثماني أحدث فيها انهيارا فسباتا عميقا ..وكان الإسلام لم يصبها بدعوته و انعدمت الثقافة العربية الإسلامية في هذه الرقاع على الأقل لمدة أربعة قرون ، وتزامن ذلك مع غياب الدولة وتنامي الخصوصيات المحلية ،فانطوى كل بلد على ذاته العميقة من دون أية معرفة بما يجري في العالم من تحولات في القرون السادس عشر و السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر حتى باغتها الاستعمار .فنحن كعرب خرجنا شيئا فشيئا من هوة عميقة ، ومن الصعب أن نطالب أنفسنا بالكثير و العظيم.... "
    إذن ما هو الشيء القليل و المتواضع المطلوب تحقيقه ؟ جواب المفكر هشام جعيط يكون عبر مائتي صفحة في كتابه الموسوم " أزمة الثقافة الإسلامية " الصادر عن دار الطليعة . وعلى الرغم أن الكتاب صدر من فترة إلا أن القضايا التي تناولها لازالت ،في تقديري ، على رأس جدول أعمال الفكر العرب مثل علاقتنا بتراثنا وعلاقتنا بالغرب المتقدم ومسألة الحداثة والعلمانية .قضايا لازالت تؤرق العرب وفكرهم .وهي ليست وليدة الراهن ،بل تعود في جزء كبير منها، إلى هزيمة 67 التي أنتجت أسئلة مختلفة ومتقابلة .وهناك من يرى أن الفكر العربي المعاصر هو فكر الهزيمة ، أي فكر مهزوم، وكل الاجتهادات هي بالكاد تبحث عن مخرج من النفق العربي المظلم .والأسئلة لازالت متواصلة منذ كتاب " النقد الذاتي بعد الهزيمة " الذي صدر عقب الهزيمة مباشرة للمفكر صادق جلال العظم .
    إن الجميع يدعو إلى النقد الذاتي وإعادة قراءة كل الذات لكن بنوايا مبيتة،فالبعض فسر الهزيمة لأننا لم نكن اشتراكيين بما فيه الكفاية ولم نكن عقلانيين بما فيه الكفاية ولم نكن علمانيين بما فيه الكفاية .وانطلقت الدعوة إلى نقد العقل العربي وتجديد الفكر العربي وتحديث الثقافة العربية والتمييز بين المعقول و اللامعقول في حياتنا العربية ونقد الفكر الديني، والانقلاب الشامل على الأيديولوجيا العربية المعاصرة .بينما رأى آخرون أن الذي هُزم هم الاشتراكيون و الماركسيون والبعثيون و الشيوعيون و القوميون ودعاة العروبة ،لأنهم تخلوا عن إيمانهم بالله فتخلى الله عنهم .وعاد الإسلام الذي ضن البعض انه خرج بغير رجعة ،عاد إلى الساحة وبقوة مقترحا نفسه الحل الوحيد بعد ما بدا له أن الحلول الأخرى أصبحت في مهب الريح .وراود الكثيرين حلم العودة لمجد الحضارة العربية الإسلامية وقيمها التي بها حقق المسلمون سيادتهم ومجدهم .وارتفع الصوت مجدا أن الأخلاف قادرون على تحقيق إرادة الأسلاف .مرة أخرى وجدت النخبة العربية العلمانية نفسها في مواجهة جديدة ظنت أنها قد ربحتها في جولات سابقة ،بخاصة أن جزءا منها استمد شرعيته الفكرية و السياسية بوصفهم مستشارين كبار لمشروع الدولة الوطنية العصرية التي استحالت حاليا إلى مجرد أجهز أمنية،وظيفتها الإشراف على القمع وتسيير الفساد . و أصبح شعارها إفساد من لم يفسد بعد .أما الإسلام السياسي فانتهى هو الآخر إلى مأزق قاتل، بعض تياراته فضل الاندماج في الدولة الريعية لينال نصيبه من الدنيا، والبعض الآخر ركب المجهول. ولم تعد تعنيه الاستحقاقات الوطنية و لا القومية، على الرغم من الشعارات الفضفاضة حول فلسطين و العراق، فدخل في مغامرة دولية لا أحد يعرف لصالح من. بينما دعاة العلمنة والعصرنة الذين يعيشون عزلة جماهيرية نتيجة طروحاتهم النخبوية الاستعلائية فقد فضلوا الاصطفاف وراء الأجهزة الأمنية بدعوى محاربة الظلامية الدينية . أما من حافظ على الاستقامة والشرف وصحوة العقل أمثال المفكر هشام جعيط، فلم يبق أمامهم سوى المسألة الثقافية والحضارية يراهنون عليها كآخر قاعة يتحصن فيها الفكر العربي .وهذا ما نلمسه في كتاب" أزمة الثقافة الإسلامية " الذي يتناول قضايا على غاية من الأهمية والحساسية والخطورة .لكن بعدما فرغت من قراءته الذي يشمل مجموعة بحوث جمعها في كتاب تميزت بالعمق والشمولية وسعة اطلاع ومتانة أسلوب ،بدا لي أن بعض ما تناوله لازالت تحتاج المزيد من التوضيح .
    إن المفكر هشام جعيط في تناوله للمسألة الثقافية والحضارية ينحاز دون تردد إلى صف الحداثة لكن الإيمان بها والدفاع عنها شيء ،وعدم تحققها في حياتنا العربية يتطلب تفسيرا لإخفاقنا في إنجازها ،بخاصة إذا علمنا أن دعوة الحداثة بدأ الحديث عنها منذ منتصف القرن التاسع عشر تحت أسم المدنية بعد هذا الزمن الطويل لماذا عجزنا على قطع المسافة الضرورية بين ماضينا وحاضرنا ؟ لماذا هذا التشابك والضبابية ؟.بلغة الواثق يجيب هشام جعيط إن طريق " الحداثة هو قطع مع كل دين وليس استبدال دين أو تعويض دين بآخر ،و المفترض أن هذا الاتجاه سينتشر ويطال الإسلام ص194" لكن يبقى السؤال الملح : هل تعني الحداثة بالضرورة شن حرب لا هوادة فيها على الدين هكذا بشكل مجرد ؟ ألا يسقطنا هذا التفكير في المثالية ويبعدنا على الفهم الموضوعي والتاريخي لظاهرة الدين فنجد أنفسنا في نهاية المطاف نتصارع مع الأشباح ؟ ألا يستطيع الإسلام في لحظات تاريخية محددة أن يساعدنا على تخطي بعض عقباتنا ؟ مرة أخرى يجيب هشام جعيط بوضوح كعادته :"كل هذا التنظير وكل هذه التساؤلات و الحيرة إنما تدخل في زمنية وقتية ،حيث لا مرد للحاق بالركب شيئنا أم أبينا ، بل إن ظاهرة اللجوء إلى الدين تعني أننا دحرنا إلى الأسس حيث غاب كل شيء سوى عناصر من الثقافة الأنتروبولوجية ، ويعني هذا أيضا أن الدين في جوهره قد يصبح محل إشكال ص11" ومن اجل دعم وجهة النظر هذه يعيد قراءة ،أو بالضبط إعادة تفسير عصر النهضة العربية .لكن أوروبا دائما هي المعلم والتاريخ الأوروبي هو الموجه والمرشد و الحكم إلى حد التماهي ،وذلك لسبب بسيط لأنه "ليست هنالك حداثة غربية وحداثة إسلامية وأخرى صينية وأخرى هندية أو إفريقية فهي واحدة في جميع أبعادها .أن يجري الكلام على الخصوصيات فهذا نفاق كبير وتظليل عظيم ص31 " وقياسا على النموذج الأرقى فهو يرى"أن المسلمين لم يفهموا أن المظهر الخارجي للقوة و للحضارة الأوروبية كان قطيعة مع ركنها الديني ..ونقد مزدوج للدين والسلطة ص138". بينما الإصلاح الديني "وقف موقفا واضحا جدا ضد كل محاولة للتقليل من قيمة الدين الإسلامي ،و يؤسس رؤيته الإصلاحية على مقدمات متعارضة مع مقدمات منطق الأنوار يجب المضي نحو المزيد من الدين وليس نحو دين أقل ص 142هل يطلب جعيط من الإصلاح الدين أن يكون حركة علمانية؟.إن أية حركة إصلاح ديني، مها كانت درجة استنارتها، لها حدودها التي تقف عندها .كما أن الموقف من الإصلاح الديني عموما الذي انتهى إليه سيجد الكثير من الباحثين يخالفونه الرأي ،بل قد يرى فيه البعض إجحافا كبيرا في حق رواد كرسوا جل حياتهم من اجل إيجاد صيغة ملائمة بين الأنا و الآخر. ولا نستغرب إذا وجد من يتهم الدكتور جعيط بسيطرة المركزية الأوروبية والنظرة الاستشراقية على تفكيره تتركز أساسا في المماثلة بين المسيحية و الإسلام .وهذه تعد نقطة قوة الإصلاح الديني الذي لفت الانتباه إلى نقاط الاختلاف .فالإسلام عكس المسيحية أسس عبر مسيرته الطويلة منظومة تشريعية وحقوقية (الشريعة) انطوى جانب كبير منها على قيم إنسانية عامة أهلته ليقدم نفسه كقوة اقتراح كبرى .إنها المسألة الأساسية التي جابهها رواد الإصلاح الديني الذين عاشوا صدمة الحداثة .لقد بدا لهم ، وبشيء من الاعتزاز و الوفاء، أن الإسلام إذا أحسن فهمه ينطوي على جانب كبير من القيم مماثلة لقيم أوروبا الحديثة .وفي هذا السياق لا بأس من التذكير أن الفئات الجديدة الصاعدة آنذاك في أوروبا دشنت صراعها ليس ضد الدين ،بل ضد الإقطاع وضد أيديولوجيته الكنسية التي أصبحت أداة موضوعة في خدمة الأسياد الإقطاعيين لهذا قامت بحركة إصلاح ديني، ليس من أجل إلغاء الدين ،بل من أجل سحب مشروعية تمثيل الدين من قبل التحالف الإقطاعي الكنسي. وذلك من خلال إدخال تعديلات على مضامينه ودلالاته ليتوافق مع الهداف و التطلعات الجديدة التي تؤكد على قيم العمل والعلم والعقل .تلخصها تلك العبارة التي استخرجها لوثر من الكتاب المقدس التي تقول "من لا يعمل لا يأكل ".إنها المسألة الأساسية التي شغلت رواد الإصلاح الديني إلى حد جعلت جمال الدين الأفغاني يرى أن الإسلام يترقب قيام لوثر جديد فيه .وكما يقول البرت حوراني إن الأفغاني كان يأمل القيام بنفسه بهذا الدور .إن المهمة الحضارية الكبرى التي تصدى لها رواد الإصلاح الديني ، هي جعل الإسلام يتوافق مع العقلانية الحديثة ويتوافق أيضا مع فهم القرن التاسع عشر للدين. ذلك تطلب منهم ،ليس العودة إلى المزيد من الدين كما يرى جعيط .إنما عادوا إلى الإسلام الأول من أجل إنجاز مهمة مزدوجة، الأولى تخطي الإسلام العثماني الذي تحول إلى جملة من المأثورات التقليدية المرهقة .أما الثانية تخطي التراكمات التاريخية والعودة مباشرة للنص الذي هو حمّال أوجه فبحثوا عن وجه العقل والعلم والعمل والحرية .ولهذا وجد من اتهم هؤلاء الرواد كونهم يريدون التضحية بالإسلام من أجل سعادة المسلمين .ولهذا عاشوا المنفى والتشرد .ذلك أن حركة الإصلاح الديني لم تكن حركة نخبوية متعالية ،بل كانت حركة شعبية تنويرية مكافحة ضد إسلام المؤسسات وفي سبيل إسلام شعبي بسيط مرن ومتسامح يتقبل الجديد .لهذا لم أجد أي تفسير أو معنى لعبارة ذهبوا نحو المزيد من الدين وليس نحو دين أقل .
    ونفس المقاييس المطبقة على عرب الأمس تنسحب على عرب اليوم ،وربما بقسوة أكبر .لهذا يلفت انتباهنا الدكتور جعيط ويحذرنا أنه " من الغلط التام أن نتحدث عن مشروع حضاري عربي ،بل هذا وهم وكلام فضفاض ،وكان أحرى بنا أن ننادي بالرفع من مستوى المطمح الثقافي ص". لكن حتى المطمح الثقافي يجب أن يناط بفئة اجتماعية .وهذا التساؤل غير خاف على الدكتور جعيط غير أن الزاوية التي "حشر" نفسه فيها حرمته من رؤية أي فئة أو قوة اجتماعية عربية قادرة على إنجاز هذه المهمة .لقد انتهى إلى ما يشبه العدمية " فالزعيم الكاريزمي سواء أكان في متناوله جهاز حزبي قوي أم لم يكن هو شكل حديث مستعار من الفاشية المتوسطية فهو ينتمي و أولئك الذين يحيطون به إلى فئات اجتماعية أذلها التاريخ ،فئات محرومة من السلطة ،وحين استولت على السلطة تعلقت بها ص132". وحتى " الإسلاميون أنفسهم ،إنما يضعون الإسلام في خدمة رغائب الحياة والموت ،فهم لا يناضلون في سبيل حب الحقيقة ولم يستطيعوا أبدأ بناء المدينة الدينية والثقافة الإسلامية التي لا يعرفونها هم أيضا ،ولن يستطيعوا الاستيلاء على جهاز الدولة في أي مكان من العالم العربي لأنه بقيادة نخبة تحتية تقود قطيعا من المحرومين العاجزين عن القيام بشيء سوى الانتفاضات و التضحيات ص126".
    إذن أمام هذا الانسداد لم يبق سوى المجتمع المدني بوصفه قوة منظمة وفاعلة ومستقلة عن أجهزة الدولة ، بذلك فهو مؤهل ليكون البديل لصياغة مشروع ثقافي ديموقراطي ينعش الحياة العربية .غير أن الدكتور جعيط يقطع هذا الأمل الأخير بإعلانه موت المجتمع المدني العربي فيؤكد " أن جهاز الدولة قد قتل المجتمع المدني وأن هذا المجتمع أعطى رقبته للذبح والتذ بموته فلا أرى الآن خروجا من المأزق ص167".
    أن هذه الصورة القاتمة التي يرسمها للواقع العربي لا أحد يختلف معه. لكنه يجردنا من أية قدرة على التغيير .وهي نابعة من رؤية نخبوية متعالية. فهو لا يرى فينا و لا في تراثنا أي قدرة على التجديد ولا يرى إلا الغرب المتقدم وثقافته الراقية وعلمه وحداثته التي يجب استدعائها لتحل محل ثقافتنا السلفية الدينية المتخلفة التي أصابها الترهل والصدأ .ويبدوا أن هذا المنطق في التفكير هو الذي قاد ه ،في تصريح لجريدة الشرق الأوسط السعودية ، أن يتقهم الاحتلال الأمريكي للعراق .
    هنا لا بد من الإشارة أن الكفاح بلا هوادة ضد أسلوب الوعي الغيبي تعد مهمة تاريخية يتعذر إنجاز أي خطوة نحو التقدم بدونها. لكن يجب التمييز بينها وبين جماهير مؤمنة متدينة ستبقى حينا من الدهر تعبر عن تطلعاتها وطموحاتها في بناء حياتها الجديدة في إطار هذا الفكر التقليدية .لكن وتحت أي ظرف كان لا يجوز النزول عند رغبة الجماهير ومداراة نقاط الضعف عندها .إنها مسألة على غاية من الحساسية إذا لم يتم التعامل معها بحذر فإنها تسقطنا أيضا في النخبوية والوصاية .وهذا يتطلب منا أيضا التعامل بحذر مع المسألة التراثية لأن الجماهير هي الحامل الحي لهذا التراث .ولهذا فإن رؤية المفكر هشام جعيط قد تجد من يتهمها على المستوى النظري والمنهجي بالتخطيطية والتحليل الميكانيكي وتجاهلها لجدل التراث والعصر، فليس كل ماض ميتا وليس كل جديد وافد قادرا على الإضافة .فضلا عن ذ لك كله ،إن المنطق الداخلي لتفكيره لا يقود إلى النخبوية فحسب، التي نعدها وجهة نظر ولها أنصارها . لكن هذه الطريقة في التفكير إذا وقعت بين يدي حاكم أو نصحه بها مستشار، وهم كثيرون ،تقود حتما إلى نزعة فاشية .فالحداثة التي يدعو إليها تستبعد الشعب من أي مشاركة سياسية ،وهو صاحب المصلحة الحقيقية في التقدم والحداثة .وتستبعد أي دور له لأن الشعب مثقل بالتراث وتعشش في رأسه ثقافة سلفية متخلفة قديمة وملوثة بأوهام الماضي فهو قاصر وعاجز على استيعاب وتمثيل الحداثة وصالوناتها الراقية .ولهذا يجب أن تحصر، حسب هذا المنطق النخبوي ، مهمة تحديثنا في نخبة وصفوة راقية .وإذا حاول الشعب أن يزج نفسه في معركة سياسية ويتعنت ويصمم على المشاركة في صنع مصيره فلا غضاضة في حركة راقية في شكل انقلاب " حداثي " تحت شعار الحفاظ على الطابع الجمهوري. ولا عضاضة أيضا في استدعاء أسياد العولمة و القواعد العسكرية تحت شعار محاربة الإرهاب.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد سبتمبر 24, 2017 5:37 pm