منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    الإسلام السياسي نحو مأزق آخر محمد نور الدين جباب

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    الإسلام السياسي نحو مأزق آخر محمد نور الدين جباب

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 29, 2010 6:39 am

    الإسلام السياسي نحو مأزق آخر

    محمد نور الدين جباب

    جدل واسع تشهده مصر هذه الأيام في أوساط النخبة و الرأي العام، وتساؤلات مختلفة حول وثيقة تسربت من سجون مصر، حملت عنوان ، ترشيد العمل الجهادي في مصر و العالم، للدكتور سيد إمام الشريف، أحد أكبر منظري الجماعات الإسلامية الراديكالية التي تسمي نفسها جهادية ، يعيد النظر في قضايا فقهية كانت منطلقا نظريا لتلك الحركات، جعلت الكثير يتفاءل بتأثيرها على الحركات الأخرى والبعض يُفرط في التفاؤل إلى حد التأثير على تنظيم القاعدة .
    والسيد إمام شريف معروف من خلال مؤلفه التكفيري الضخم ،من جزأين، الموسوم ، الجامع في طلب العلم الشريف، الذي يكفِّر من خلاله المجتمع ويعدُّه مرتدا ويدعو إلى مقاتلته ومقاتلة من يديرون شؤونه .و الجامع في طلب العلم الشريف، ، عدَّ بمثابة manifeste الحركات الإسلامية الراديكالية الذي تنطلق من فكرة مركزية تعتمدها المدرسة السلفية وهي الفرقة الناجية في مجتمع ارتد و عاد إلى جاهليته الأولى ،أو كما سماها سيد قطب، جاهلية القرن العشرين .لذا أصبح ضرب الأعناق رسالة مقدسة للفرقة الناجية .
    إنه نفسه، السيد إمام الشريف الذي كان، قبل اعتقاله، إماما للفرقة الناجية، تنظيم الجهاد،ينقلب على جميع أطروحاته السابقة ويسرب وثيقة أخرى، أو manifeste آخر، اختار لها عبارات ملطفة، ترشيد العمل الجهادي في مصر و العالم، خلاصتها،دعوة صريحة للمصالحة مع خصوم الأمس، أي الأنظمة الحاكمـة .
    ليست المرة الأولى التي تصدر فيها مثل هذه المراجعات الفقهية، لقد سبقتها مراجعات كثيرة بلغت حوالي عشرة كتب معظمها صدر من داخل السجون.لكن أهمية المراجعة الأخيرة تكمن في أهمية صاحبها التنظيمية و النظرية، بوصفه أحد القيادات الأساسية و الميدانية في تنظيم الجهاد. كما يُشهد له بالذكاء الحاد والكفاءة النظرية. وعلى الرغم من كونه طبيب جراح، يعدُّه الكثير حجة في العلوم الشرعية، تشهد له الوثيقة الأخيرة ، التي كتبها في ظروف السجن ،و كتبها كما يقول من الذاكرة .
    لقد تركت تلك الوثيقة انطباعات مختلفة، بين من يعدها انقلابا جذريا على فقه الجهاد والعودة إلى المصالحة مع المجتمع؟ و من يراها صفقة سياسية بين هذه الجماعات و النظام القائم في مصر بخاصة أن معظم قيادات تنظيم الجهاد قابعة في السجون. لكن هناك من لا يركن لهذه القراءات، ويرى أنه ينبغي التعامل معها من مستوى فكري آخر كونها، أولا خلاصة لتجربة دينية وفكرية أرادت فرض مشروعها بقوة السلاح فانتهت إلى مأزق .وثانيا إن المراجعة المقترحة للخروج من المأزق قد تقودها إلى مأزق آخر.
    إن المتفحص لمضمون الوثيقة يستخلص أنها مزيج من الديني و السياسي، فهي تشير إلى التجربة السياسية لهذه الجماعة التي أدت إلى هدر طاقات الوطن و هدر طاقات أبنائه و المأزق الذي انتهيت إليه. لكنها لم تشرح لنا بالقدر المنتظر، طبيعة نظام الحكم و مبررات الخروج عنه، إنها مسألة شديدة الأهمية لأن ذلك يحدد الأهداف المستقبلية .أما المضمون الفكري ، و هو الجانب الأشد أهمية، لا يخضع لأي مراجعة أو تجديد. ، جاء مستسلما للأسس الفكرية للمدرسة السلفية و آلياتها السياسية، الفرقة الناجية و الفريضة الغائبة. وذلك من خلال توثيق محكم للنصوص الدينية في القرءان و السنة و مواد التراث الأخرى.وما له دلالة ويجب التوقف عنده أكثر تأكيد الوثيقة أن الخلافة قائمة لا محالة .
    في هذه الحالة ينشأ سؤال أساسي كيف تكون الدعوة إلى المصالحة مع أنظمة شبه علمانية مع الإبقاء على الترسانة الأيديولوجية للمدرسة السلفية ؟ إن الإجابة تتجاوز بكثير محتوى الوثيقة وتحيلنا إلى إشكالية أعمق لا زالت تؤرق العرب وفكرهم منذ عصرا لنهضة ، إنها إشكالية الديني و الدنيوي في الإسلام .
    وإذا عدنا إلى الوثيقة نجدها تتخبط داخل هذه الإشكالية. و في حقيقة الأمر، هي تعكس أزمة فكرية تاريخية عميقة، لا زالت تؤرقنا جميعا، تتصل ببنية الفكر الديني في الإسلام.إننا نتحدث هنا عن الفكر الديني وليس الدين ،عن الشريعة و ليس العقيدة ،لأنه في أحيان كثيرة يقع الخلط بينهما، نتحدث عن الشريعة بوصفها منتجا بشريا التي اكتمل صرحها وتحددت ملامحها ومضمونها الفكري والأيديولوجي و رُّسمت حدودها التاريخية في القرن الثالث هجري.لقد أُريد لهذه الشريعة، التي أصبحت تحدد شخصية المسلمين وهويتهم الثقافية و الحضارية، أن تتحول من قانون فقهاء إلى قانون دولة.بخاصة مع تطلع المسلمين لبناء دولتهم..
    لقد استطاعت الشريعة ،لعدة قرون، أن تعبر عن شخصية المسلمين و تجيب عن حياتهم الاقتصادية والسياسية و الثقافية والحضارية ضمن حدودها التاريخية، أي ضمن دولة الخلافة.لكنها لا حقا ومع أول امتحان لها في عصر النهضة العربية، أي مع صدمة الحداثة، تبين أنها استنفدت شروطها التاريخية ولم تتمكن من الإجابة عن الأسئلة الجديدة التي طرحتها الحياة .مما جعل جمال الدين الأفغاني يسارع بالقول، أن الإسلام يترقب قيام لوثر جديد فيه، ويضيف تلميذه محمد عبده أن الحاكم في الإسلام مدني من جميع الوجوه .وقبلهما أكد الطهطاوي أن الفقهاء ليسوا مجرد حراس للشريعة ، بل يجب أن يكيفوا الشريعة وفقا للظروف الجديدة. لقد دشَّن عصر النهضة العربية ورواده ، منذ الطهطاوي و خير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني و محمد عبده أول مراجعة عميقة للشريعة و جعلها تتوافق مع جوهر العقلانية الحديثة وتكييفها مع المهام التاريخية الجديدة التي طُرحت على العرب و المسلمين، إلى درجة أنه وُجد من يتهم هؤلاء الرواد، أبطال الفكر، أنهم يريدون التضحية بالإسلام في سبيل سعادة المسلمين .غير أن مشروع النهضة العربية التنويري أجهض بفعل عوامل داخلية وخارجية ليس مجال الحديث عنها الآن
    إن هذه المقاربة أساسية لأن البعض يريد أن يتملص من مسؤولياته الراهنة من خلال ربط لا تاريخي، بين إجهاض مشروع النهضة العربية و بروز الحركات الأصولية الراهنة ، أو بردها إلى تأثيرات خارجية .
    إن جميع الحركات الأصولية هي بنت الاستقلال، وهو ما لم تحدثنا عنه الوثيقة لأسباب معروفة. لقد ولدت وترعرعت وكبرت واشتد ساعدها بعد فشل مشروع الدولة الوطنية. وشعاراتها في التصنيع والتنمية والتحديث ووحدة العرب القومية وتحرير فلسطين ومقدسات المسلمين، التي تبين لاحقا أنها لم تكن إلا شعارات كاذبة عمقت التبعية و التخلف، و التحالف مع أعداء الأمس لقمع الحركات الوطنية ،و نهب الثروات الوطنية. كل ذلك مرفقا بانتشار ظاهرة الفساد والقمع و الاستبداد و الطغيان و الأنانية والتجبر والإقصاء و التهميش. وأصبح الفاسدون أصحاب الامتيازات والمليارات الجدد هم أسياد المجتمع ينشرون نمط حياة فاسدة، مستهترين بكل القيم الوطنية والدينية و الإنسانية و الهوية الثقافية و الحضارية .كل ذلك كان على حساب الفئات الشعبية الواسعة التي ازدادت فقرا وحرمانا و غبنا عمق لديها الإحساس بالضياع والعجز و الغربة في ديارها .
    في ظل هذا العالم المتوحش الظالم الجائر، و في ظل شريعة الغابة هذه استمد الإسلام الأصولي قوته ونفوذه وعنفه وتوهم أنه قادر على استبدال شريعة الغابة بشريعة الله بقوة السلاح. فكانت التجربة المرة التي انتهت إلى مأزق قاتل .مأزق لم تحدد الوثيقة طبيعته ، ولم تخبرنا هل زالت شريعة الغابة وانقرضت وحوش الغابة، أم الضرورات تبيح المحظورات، ضرورات المصالحة و المصالح، تبيح غض الطرف عن مواصلة انتهاك حقوق الله وحقوق البشر .إنه سؤال يتعذر، على جميع الحركات الأصولية و تعبيرها الأيديولوجي الإسلام السياسي الإجابة عنه ، ليس فقط بحكم ضرورات المصالحة ،بل يتطلب الشجاعة الكافية أيضا .لأنه إذا كنا نعترف لهم بمرارة التجربة وقسوتها، و التضحيات الجسيمة وآلامها ،وغيابات السجون وإذلالها .فإنه بالمقابل يجب الاعتراف، بدون مكابرة، حتى لا تتكرر التجربة التي تجرعنا مرارتها جميعا، أن العصر وتعقيداته و المصالح الدولية وتشابكها و العولمة وشريعتها، أكبر بكثير من شريعة فقهاء ابتكروها لعصر غير عصرنا و لزمان غير زمانا . لأن عصرنا وزماننا و الأخطار المحدقة بنا، أكبر من مجرد العودة إلى التراث، واستحضار نصوص شريعة الإسلام عبر قراءة سلفية جامدة متصلبة تنوء بكلكلها على حاضرنا .لأن مثلها الأعلى وثيق الصلة بالقيم و بالعلاقات ما قبل الرأسمالية و بالعالم ما قبل رأسمالي .
    إنه المأزق التي يلف الوثيقة من بابها إلى محرابها، مما أقعدها على تقديم أي مشروع أو برنامج للخروج من الأزمة. ، ولن تقدر، لأن ذلك يتطلب منها أن تنقلب على ذاتها ،وتتخطى القيم و المثُل والعلاقات ما قبل العالم الرأسمالي، أي تتحول من حركة دينية ماضوية إلى حركة تؤمن بقيم العصر و مكاسبه و منجزاته. وهذه المهمة يتعذر انجازها في المدى المنظور بحكم التأخر التاريخي. وفي انتظار انجاز مهمة التخطي التاريخي، فإن الإسلام السياسي ، ومهما ذهبت به الأوهام بعيدا حول نفسه ، سوف يظل بدون مشروع سياسي أو حضاري . مما يسهل استقطابه في المرحلة القادمة من قبل الفئات الحاكمة، وهي نفسها التي ناصبها العداء في البدء و استمد قوته ونفوذه من رفضه لها ونعته لها بالفاسدة و الطاغية ، وهي بالفعل كذلك ،بل أكثر من ذلك لقد وصلت إلى حدودها التاريخية ولم تعد قادرة على تقديم شيء جديد
    هنا ينشأ سؤال جوهري مَن يتصالح مع مَن ؟ إنه سؤال يتعذر على الوثيقة المقترحة الإجابة عنه لأن المصالحة تكون بين قوى اجتماعية وسياسية حية تملك تصورات و برامج و مشاريع للبناء، وليس بين قوى منتهية الصلاحية التاريخية، وأخرى وصلت إلى حدودها التاريخية .و إذا صحت هذه المقاربة ،تصبح الفريضة الغائبة للفرقة الناجية، هي الريع واقتسام الريع مع خصوم الأمس. و إذا تم هذا التحالف بين هذه القوى اللاتاريخية فإن الأزمة حتما ستطول و تتعمق، تكون الغلبة فيها للأفكار المعادية للديمقراطية والتقدم والتنوير من الصعب التكهن بنتائجها لكنها حتما ستكون وخيمة .

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 7:02 am