منتديات طلبة فلسفة بوزريعة

مرحبا بكم في منتديات طلبة بوزريعة للعلوم الاجتماعية والانسانية قسم الفلسفة خاصة

منتديات طلبة بوزريعة منتدى حواري ترفيهي يقدم يد المساعدة لكل الطلبة .................زريارتكم تشرفنا

    ما بعد الحداثة - نيتشه -5-

    شاطر
    avatar
    المدير العام
    Admin

    عدد المساهمات : 190
    نقاط : 425
    تاريخ التسجيل : 16/01/2010

    ما بعد الحداثة - نيتشه -5-

    مُساهمة من طرف المدير العام في الإثنين مارس 15, 2010 12:26 pm

    ما بعد الحداثة - نيتشه -5-


    لا زالت رحلتنا مع نيتشه مستمرة ، وهاهي الحلقة الخامسة.

    ******



    القوى الارتكاسية أو نفي العالم الحسي: كيف تعبر عن نفسها في "إرادة الحقيقة"
    الغالية على العقلانية الحديثة ؛ وتبلغ الذروة في مثال الديموقراطية.

    لنبدأ بتحليل القوى "الارتكاسية": هي تلك القوى التي لا يمكن لها أن تظهر في العالم ، وتحدث مفعولاتها إلا بالقضاء على قوى أخرى. وبعبارة واضحة ، إنها لا تفرض نفسها إلا بمعارضة غيرها. إنها نتاج منطق "لا" بدل "نعم"، منطق "ضد" بدل "مع". والنموذج هنا هو البحث عن الحقيقة، إذ تتحقق دوما بالسلب، انطلاقا من دحض الأخطاء والأوهام والآراء الخاطئة. ولا يقتصر هذا المنطق على الفلسفة وحدها ، بل يتعداها إلى العلوم الوضعية.
    عندما يتحدث نيتشه عن القوى الارتكاسية، فإن المثال الذي كان يفكر فيه ، ويدور في رأسه هو "محاورات أفلاطون". لست أدري إن كنتَ قد اطلعت على إحدى هذه المحاورات؛ بيد أنه ينبغي أن تعلم أنها تتم تقريبا بنفس الطريقة التالية: يدور حوار ،بحضور جمهور، بين شخص مركزي يكاد يكون دوما سقراط، وبين شخص يكون تارة ودودا ساذجا، وتارة مهاجما يرغب في المعارضة. وهذه الحالة هي التي يعارض فيها سقراط من يُطلَََق عليهم "السفسطائيون"، أي معلمي الخطابة والبلاغة ، ولا يدعون البحث عن الحقيقة ،على غرار ما يرغب فيه سقراط، وإنما يعلمون الناس أحسن الوسائل لاستمالة الجمهور أو إقناعه بفن الخطابة.
    بعد أن يتم اختيار موضوع النقاش ، من مثيل : ما هي الشجاعة؟ أو ماهو الجمال؟ أو ما هي الفضيلة؟ ... يقترح سقراط على محاوره أن يستجليا معا الآراء المتداولة في الموضوع، لتُتخذ نقطة انطلاق، من أجل تجاوزها نحو الحقيقة إن أمكن. ثم ينطلق الحوار، وهذا ما يسمى "الدياليكتيك" أي فن الحوار، حيث لا يكف سقراط عن إمطار محاوره بأسئلة ليظهر له أنه في الغالب ما يتناقض في أقواله، وأن أفكاره وقناعاته غير صائبة، مما يتحتم عليه التفكير أكثر للسير بعيدا في النقاش.
    ينبغي أن تعلم شيئا حول محاورات أفلاطون، وهو شيء مهم قصد تحديد القوى الارتكاسية التي يراهن عليها نيتشه، في البحث عن الحقيقة كما مارسها سقراط. هذا الشيء هو أن الحوار بين سقراط ومحاوريه حوار في الواقع غير متكافئ. يحتل فيه سقراط دوما موقعا متفاوتا بالنسبة لمحاوره؛ يتظاهر بعدم المعرفة، ويلعب دور الساذج، والحقيقة أنه يعرف جيدا مقصده. ويقوم التفاوت في كونهما لا يوجدان على نفس المستوى، ويتقدم سقراط على محاوره تقدم المعلم على تلميذه. وهذا ما أطلق عليه الرومانسيون الألمان "السخرية السقراطية"؛ فهي سخرية لأن سقراط يلعب دورا، ليس فقط في كونه متفاوتا مع محاوره، ولكن أيضا مع نفسه مادام أنه يعرف جيدا ، على عكس محاوره ، الدور الذي يقوم به.
    هذا ما جعل نيتشه يعتبر موقف سقراط سلبيا أو ارتكاسيا؛ وذلك ليس فقط في كون الحقيقة التي يبحث عنها لا تقوم لها قائمة إلا بدحض آراء أخرى، ولكن كذلك في كونه لا يثبت شيئا أبدا، ولا يكشف عن نفسه، ولا يقترح شيئا إيجابيا. ويكتفي فقط بالطريقة التوليدية ليجعل محاوره في حيرة من أمره ، ويوقعه في تناقض مع نفسه، إلى أن يوَلّد منه الحقيقة.
    في الفصل المخصص لسقراط من كتاب " أفول الأصنام" ، شبه نيتشه سقراط بالسمكة الرعادة، تلك السمكة التي تشل ضحيتها بشحنة كهربائية. إذ بدَحْضِ الأخرين، يتقدم الحوار، من أجل محاولة الوصول في النهاية إلى فكرة صائبة. هذه الفكرة تطرح نفسها ضدا على الأفكار الجاهزة والمتداولة، وتفرض نفسها كما لوأنها "متماسكة" ضدا على ما هو "غير متماسك"، كما لو أنها منسجمة ضد ما هو متناقض، فهي لا تظهر أبدا بطريقة مباشرة وبدون توسط ، وإنما تتجلى بطريقة غير مباشرة، برفضها لقوى الوهم.
    أتدرك الآن الرباط الموجود بين الرغبة السقراطية في الصائب، والبحث عن الحقيقة، سواء كانت فلسفية أو علمية، وبين "القوى الارتكاسية"؟
    يبدو البحث عن الحقيقة ، في نظر نيتشه، ارتكاسا مضاعفا ، إذ لا تبني المعرفة الصحيحة ذاتها فحسب بالصراع مع الخطأ ، وسوء الطوية ، والكذب، بل بصفة عامة ضد الأوهام الملازمة للعالم الحسي باعتباره كذلك. فلا يمكن للفلسفة أو العلم أن يشتغلا فعلا إلا بمعارضة "العالم الحسي " ب"عالم عقلاني"، بحيث لا محالة من أن يبخس هذا الأخير قيمة الأول. ها هنا نقطة حاسمة في نظر نيتشة ، وعليك أن تفهمها جيدا.
    يؤاخذ نيتشه على كل التقاليد الكبرى العلمية والميتافزيقية والدينية – يقصد المسيحية خاصة- كونها مافتئت "تمقت " الجسد والحساسية لصالح العقل. قد يبدو لك غريبا أن يجمع في نفس السلة العلم والدين. لكن فكر نيتشه لم يته عن قصده، وهذا التقارب بينهما ليس متنافرا. فعلا، إن الميتافزيقا والدين والعلم ، ورغم كل ما يفرق بينها وأحيانا ما يعارض بعضها البعض، تشترك في ادعاءها الوصول إلى حقائق مثالية، وإلى كيانات عقلية لا تُمس ولا تُرى، وإلى مفاهيم لا تنتمي للعالم المجسد؛ بل تشتغل بكل قوتها ضد هذا العالم – وهنا نجد من جديد فكرة الارتكاس- لأن الحواس لا تكف عن خداعنا.
    هل تريد دليلا بسيطا على ذلك؟ إليك هذا المثال. إذا ما تمسكنا بمعطيات الحواس، فإن الماء يبدو لنا تحت أشكال متعددة ومختلفة بل متناقضة : الماء الساخن الحارق، وماء المطر البارد، والثلج الرخو، والجليد الصلب ... والحال أن الأمر يتعلق في الحقيقة بواقع واحد. لهذا السبب ينبغي أن نعرف كيف نتعالى على ما هو حسي، بل وأن نفكر ضده، - وهذا ما يعود إلى القوى الارتكاسية حسب نيتشه- . وإذا أردنا أن نصل إلى ما هو عقلي، أو إلى "فكرة الماء"، أو كما يقال اليوم، أن نبلغ إلى هذا التجريد العلمي العقلي الخالص ، فعلينا بالصيغة الكيميائية H2O.
    من وجهة نظر "إرادة الحقيقة" كما يقول نيتشه؛ من وجهة نظر العالم أو الفيلسوف الذي يريد أن يصل إلى معرفة حقيقية، عليه بالتالي أن يرفض كل القوى التي تعود إلى الكذب والوهم، وكذلك كل الدوافع المرتبطة خاصة بحساسية الجسد. باختصار، ينبغي الاحترازمن كل ما يعود إلى الفن. وبطبيعة الحال ، فإن شك نيتشه هو أن وراء هذا "الارتكاس" يتخفى بُعد آخر غير الاهتمام بالحقيقة. ربما يكون رأيا أخلاقيا غير مصرح به، أو اختيار بعض القيم ضد أخرى، أو رأيا مسبقا مخفيا لصالح "العالم العلوي" ضدا على "العالم السفلي"...
    بالفعل، لو رفضنا ،ليس فحسب البحث عن الحقيقة، ولكن ايضا مثال النزعة الإنسانية الديموقراطية، لاستكمل ، في نظر نيتشه ، نقد الفلسفة الحديثة و"القيم البورجوازية" التي تقوم عليها :وهكذا يتم تقويض ، في نفس الآن، العقلانية والنزعة الإنسانية ! إذ الحقائق التي يريد العلم الوصول إليها هي "ديموقراطية في ذاتها". هي من النوع الذي يريد أن يكون في متناول أي أحد، في أي زمان ومكان. إن صيغة مثل 2+2=4 لا تعرف حدودا ولا طبقية اجتماعية، ولا جغرافية أو تاريخ. وبعبارة أخرى، إنها تسعى نحو الكونية، مما يجعل الحقائق العلمية في قلب النزعة الإنسانية، أو كما يحلو القول ، إنها "ليست نبيلة" ، إنها "عامية"، في عمقها ضد الأرستوقراطية.
    هذا ما يحبه العلماء في علمهم، إنه يتوجه سواء إلى الأقوياء أو الضعفاء، إلى الأغنياء أوالفقراء، إلى الشعب أو إلى الأمراء. من هنا يأتي السبب الذي دفع نيتشه أحيانا إلى إثارة الأصول الشعبية لسقراط باعتباره مبدع الفلسفة والعلم، وأول من أثار القوى الارتكاسية الموجهة نحو مثال الحقيقة. من هنا أيضا يأتي التكافؤ الذي أقامه في الفصل المخصص ل"حالة سقراط" ، بين العالم الديموقراطي ورفض الفن، بين إرادة الحقيقة السقراطية والقبح، الذي وصف به بطل محاورات أفلاطون، الذي وقَّع نهاية عالم أرستوقراطي لازال موسوما ب"التمييز" و"السلطة".
    سأعرض لك مقتطفا من هذا النص لتفكر فيه. بعد ذلك سيتم شرحه بتفصيل كي يَظهر لك صعوبة قراءة نيتشه حتى وإن بدا سهلا، إذ أحيانا ما يكون المعنى الحقيقي لما يكتب مخالفا للمعنى الظاهر. إليك النص:
    " كان سقراط ينتمي ، بالولادة ، إلى أكثر الدهماء دونية: كان من السوقة. نعرف، ولا زلنا نرى كم كان سمجا (...) . هل كان سقراط إغريقيا؟ غالبا ما تكون السماجة نتيجة تهجين، أو نمو معاق بفعل التهجين (...). لقد انقلب الذوق بعنف مع سقراط لصالح الجدل (دياليكتيك). إذن، ماذا حصل تحديدا؟ هذا يعني، قبل كل شيء، انهزام الذوق الأرستقراطي: لقد انتصرت الدهماء بالجدل (...). إن ما يحتاج إلى البرهنة كي يُصَدق، لا يساوي شيئا [تافه لا قيمة له]. حيثما كانت السلطة تتصرف تصرفا حسنا، وتصدر الأوامر ولا تقدم تعليلات أبدا، يكون رجل الجدل مهرجا: محط سخرية، ولا يؤخذ مأخذ الجد. كان سقراط المهرج الذي أُخِذ مأخذ الجد ".
    من الصعوبة ،اليوم، أن نضع مثل هذا الخطاب بين قوسين ،أو نغض الطرف عنه، لما يثيره من قرف. فكل مقومات الإيديولوجيا الفاشية تجتمع فيه: تقديس الجمال، و"التمييز" حيث تقصى الدهماء، تصنيف الأفراد حسب أصولهم الاجتماعية، التكافؤ بين الشعب والسماجة، إبراز قيمة الأمة وهنا الإغريق، شكوك لا تطاق حول اختلاط وتهجين من المفترض أن يفسر أسباب الانحطاط ... لا شيء ينقص لتكتمل تلك الإيديولوجيا. ومع ذلك، عليك ألا تقف عند هذا الانطباع الأولي. ليس لكونه ، مع الأسف ، خاطئا كليا. وليس من الصدفة أن يتبنى النازيون أفكار نيتشه، ولكن،لكونه لم يكن عادلا اتجاه ما يمكن أن يوجد من عمق في التأويل لشخصية سقراط، وبدلا من أن يُرفض جملة وتفصيلا، أقترح عليك أن نرى سويا، عن قرب، معنى ذاك الكلام، لنستخرج منه الدلالة العميقة قدر الإمكان.
    لكي نصل إلى ذلك، نحتاج أيضا إلى إغناء فكرنا، ونتناول المكون الثاني للواقع، وأعني به "القوى الفاعلة" التي تتمم إلى جانب "الارتكاسية" تعريف العالم والواقع الذي يحاول نيتشه بلوغه.


    (يتبع)

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس نوفمبر 23, 2017 7:06 am